إعلم أخي الحبيب هدانا الله أن مدار سعادة الإنسان مرتبط بالإيمان زيادةً أو نقصان، فكلما زادت بشاشة الإيمان بصالح الأعمال زادت سعادة الإنسان وشعر بالأمن والاستقرار ورضي بقضاء الملك الدّيان.
وأما لو نقص الإيمان بالمعاصي والذنوب والغفلة والآثام فإنه ينتج عنه ضعف يقين الإنسان ويكون قلبه قاسيا كحجر الصوان لا يشعر ولا يرى ولا يسمع ويصبح كريشة في مهب الرياح لا يستقر له قرار ويتقلّب بالهمّ والأحزان والسخط والنكران على قضاء الله الملك الديّان.
وقد قال الله تعالى يذكر قول العصاة في نار السعير {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} ولو كانوا لا يسمعون ولا يعقلون في الحقيقة لَمَا عذّبهم الله بجرمهم، ولكنهم لما رأوا العذاب الأليم أصابتهم الخيبة والندامة ولاموا أنفسهم أنهم لم يسمعوا كلام الله تعالى وكلام رسوله بوعي وفهم وتدبّر، ولم يتفكّروا بعقولهم التي ميّزهم الله بها عن سائر المخلوقات فوقعوا في المحرّمات و المنكرات فأصبحت لهم عادات، ولم تخاطب أهواؤُهم عقولَهم وعطّلوها، وكذلك لم تتحكّم عقولُهم في أهوائهم فتكفّها وتمنعها عن الغواية والخسران باجتناب معصية الرحيم الرحمن.
طريق الإيمان
وفي مقابل ذلك كله وعد الله الرحيم الرحمن كلَّ من يستقيم على طريق الإيمان برغد العيش والأمن والأمان والراحة و الإستقرار في هذه الدار الفانية، وتلك الدار التي هي محل القرار قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة النحل آية ٩٧]، فهذه الآية الكريمة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار بتحقق الحياة الطيبة في الدنيا وفي الآخرة ونيل الجزاء الأوفى ومضاعفة الأجر ودخول الجنة لكل من الذكور والإناث بقدر تنافسهم في طاعة الرحمن واتباع هدي النبي العدنان عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} فقد تعلوا المرأة المؤمنة في درجات الجنة بصالح أعمالها وتقواها، ويهبط الرجل في دركات النار بذنوبه ومعاصيه، وقد يقع عكس ذلك فيعلو الرجل وتهبط المرأة كلٌ بحسب ما قدّم، فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، قال الله تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّـهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [من سورة آل عمران جزء من آية ١١٧].
ومن رزقه الله الرضا الأقدار والتزوّد من الأذكار في الليل والنهار أسعد قلبه، وأراح فكره من التوتر والانهيار ليقينه بأن ما قدّره الله سيكون والخلائق تتقلّب بين أقدار الله ولا تملك من الأمر من شيء إلّا الرضا والتسليم.
ولذلك نحن في هذه الحياة بحياتنا الدنيا في قاعة اختبار وامتحان تحت نظر الرحمن فمن استعدّ وعمل نجح وأفلح، ومن أهمل وغفل خاب وخسر ولذلك قال الله تعالى {وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى}، وكلنا على طريق سفر طويل يحتاج لزاد كثير، والمسافر المفكّر يتزوّد لسفره، فمن سافر دون زاد من الأعمال قال نادما يوم لا ينفع الندم {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [سورة المؤمنون آية ٩٩/١٠٠]، فيُقال له: انتهى وقت الامتحان وضاع الأمل لأن الدنيا دار عمل ولا حساب، والآخرة دار حساب ولا عمل.
ورحم الله من قال: تزوّد من التقوى فإنك راحل وسارع إلى الخير مع من يسارع، فما المال والأهلون إلّا ودائع ولا بد يوماً أن تردَّ الودائع، وقال (يامن بدنياه اشتغل وغرّه طول الأمل، الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل)، فمن زرع العمل الصالح حصد النجاح في الدارين، ومن لم يزرع ولم يعمل صالحا حصد الندامة.
االلهم اهدنا لصالح الأعمال والأقوال والنوايا فإنه لا يهدي لصالحها إلّا أنت يا رحمن، وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.