بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 آذار 2026 12:10ص عندما يصنع الصَّوم سلام اللبنانيِّين

حجم الخط
في رمضان يكبر الزّمن بالله، خالق الإنسان وخالق الزّمن، وخالق الكون كلّه... وفي رمضان يكتسب الزّمن قيمة أسمى عندما ينفتح على الإنسان كلّه بعيدًا من كلّ الحواجز، وعندما ينفتح على الله تعالى الّذي ليس له حدود في الزّمان والمكان، والّذي عرشه قلوب المؤمنين وأفئدة الموحّدين وعقول الواعين المسبّحين...
فالزّمن في شهر رمضان لا يكبر بذاته ولكنّه يكبر بالحدث وبالنّشاط والحركة، وبكلّ القيم الّتي تدخل في مفاصله فتغني الإنسان والحياة، سواء في ما يتّصل بعطائنا المادّي، أو دنوّنا من الله في الابتهالات والأدعية والصّلوات، أو في الخطوات الّتي نمشي بها في المجتمع وبين النّاس فلا نقدّم خطوة أو نؤخّر أخرى حتّى نعلم أنّ الله رضا في كلّ ما يتّصل بالحياة العامّة بأبعادها السّياسيّة والثّقافيّة والفكريّة وما إلى ذلك...
ولذلك كانت الدّعوة إلينا من الله ورسوله في هذا الشّهر بأن نستفيد من دقائقه وساعاته لنملأها بالخير، ونشحنها بالحبّ، ولكي لا تكون الأدعية كلمات نردّدها أو تكون الصّلاة حركات نسجد ونركع فيها من دون ان نعيش لذّة القرب إلى الله وهي الّتي لا تكتمل إلّا بإيفاء النّاس حقوقهم، وباللّمسات الحانية على الفقير والمحتاج، وما أكثر هؤلاء في واقعنا وفي بلدنا المرهق تحت ضربات الحروب والمتعب تحت سياط الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
ومن هنا، فإنّنا ننظر إلى شهر رمضان بما يمثّل من قيمة كبرى في تحسّس آلام النّاس وجوعهم، وفي أنّ الله تعالى فرض الصّيام ليشعر الغني بمضض الجوع فيحنو على الفقراء. كما روي عن الرّسول الأكرم (ص)... كذلك فإنّنا ننظر إلى هذا الشّهر باعتباره الوقت – الامتحان الّذي نُسأل فيه عن المحصّلة وعن النتيجة في نهاية هذا الموسم، فإذا كانت المحصلة العباديّة والرّوحيّة والسّياسيّة والتّفاعليّة كبيرة عندها يمكن أن ينطلق النّداء مع نهاية شهر رمضان وليالي القدر فيه وإطلالة عيد الفطر: اغدوا إلى جوائزكم، هلمّوا لنيل رضا الله ورضوانه...
ونحن نرى أنّ شهر رمضان – بمفاهيمه وتشريعاته وأحكامه والنّتائج الّتي أرادها الله تعالى للإنسان أن يكسبها ويحصّلها فيه – إنّما يبدأ بعد أن ينتهي الصّوم الفعليّ، أقصد الصّوم الماديّ، لتبدأ دورة الصّوم عن كلّ ما حرّم الله على مستوى الأعمال والجوارح والحركة، وعلى مستوى التّفاعل مع النّاس وتحسّس آلامهم وكيف نعيش في رحاب قضاياهم بعيدًا حتّى من العناوين الطّائفيّة والمذهبيّة الّتي أغلقنا فيها على أنفسنا أبواب الرّحمة الكبيرة عندما «ضيّقنا واسعًا» في كلّ هذا الواقع المنفتح على الإنسان كلّه، وعلى الكون كلّه.
ونحن في لبنان، البلد الّذي ينفتح على عناوين الإنسانيّة كلّها في هذا التّنوّع الّذي يضمّ طوائفه ومكوّناته وكلّ ألوان الطّيف فيه، نتطلّع إلى صوم شهر رمضان الّذي يلتقي في هذه الأيّام مع الصّوم الكبير لدى موطنينا من الطّوائف المسيحيّة الكريمة، لنشعر بأنّنا جميعًا نعيش روحيّة الصّوم الّتي أرادها الله تعالى أن تكون عنوانًا لكلّ الرّسالات، كما قال تعالى في محكم كتابه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة – الآية 182.
وأن نلتقي بالصّوم معًا على مستوى الزّمن، امتدادًا للّقاء به على مستوى القيمة الكبرى الّتي تصنع الإرادة والصّبر، وتؤهّلنا للتّعامل بجدّيّة وعزيمة مع كلّ ما يتّصل بقضايانا، وخصوصًا القضايا الكبرى، فهذا لعَمري امتداد للنّعمة الّتي أنعمها الله علينا في بلادنا كلّها وفي وطننا الحبيب، لبنان، على وجه الخصوص.
ولكنّنا نريد لهذا اللّقاء على مستوى الزّمن في الصّوم أن يمهّد للأرضية الصّالحة الّتي تعزّز الوحدة بين اللّبنانيّين وتنمّي العلاقات بين المؤمنين، وتفسح في المجال للعمل سويًّا في كلّ ما يصلح إنساننا ويحفظ وطننا ويُسهم في نهوضه وعودته إلى الدّور الّذي كان يقوم به عربيًّا وإسلاميًّا وما هو أبعد من ذلك...
ولذلك – أجدني – في هذه الأيّام المباركة أتوجّه للجميع، لكلّ اللّبنانيّين بطوائفهم وأحزابهم وكياناتهم الدّينيّة والسّياسيّة والثّقافيّة وما إلى ذلك، بالدّعوة الصّادقة وبالمحبّة الغامرة الّتي تحترم صومنا في شهر رمضان، والصّوم الكبير على مختلف المستويات، خصوصًا على مستوى الخطاب، بأن يكون خطابنا كما قال القرآن الكريم دعوة (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وإحساسًا بالمسؤوليّة والمسامحة والمحبّة كما هي تعاليم المسيحيّة والسّيّد المسيح (عليه السّلام)...
ليكن الصّوم الّذي نلتزم به جميعًا محطّة نأخذ منها العبرة كلبنانيّين بأن نصوم على مستوى الخطاب السّياسيّ عن الكلمات الانفعاليّة المشحونة بالعصبيّات والحساسيّات، وكذلك عبر وسائط التّواصل كلّها بأن نحترم الآخر في قناعاته وتوجّهاته ولكن تحت سقف القانون وتحت مظلّة القيم المشتركة الّتي تمثّل التزامنا المسيحيّ والإسلاميّ...
أيّها الأحبّة...
لتكن هذه المحطّة إختبارًا وامتحانًا لسلوكيّاتنا السّياسيّة والأخلاقيّة في المدى الّذي يمتدّ إلى ما بعد عيد الفطر وبعد الانتهاء من الصّوم الكبير، لنقدّم الأمثولة للآخرين في أنّنا استطعنا في لبنان الرّسالة وأنموذج التّعايش والمحبّة أن نصنع سلامنا في الخطاب والتّواصل والّذي لا شكّ في أنّه سيفتح لنا الأبواب لكي نعبر إلى المرحلة الّتي ينهض فيها البلد من فوق ركام الحروب واعتداءات العدوّ، ومن فوق كلّ هذه الأزمات...
تعالوا نصنع سلامنا الرّوحيّ المنفتح على سلامنا السّياسيّ والأمنيّ... وعندها يغدو للصّوم قيمته الكبرى في وطن المحبّة والسّلام والحريّة والوئام.