المفتي الشيخ د. علي الغزاوي*
رحلة الإسراء والمعراج معجزة وصلت أرضاً بأرض وأرضاً بأسماء.
معجزة ليست كغيرها كانت بدايتها من مكة إلى بيت المقدس ومن بيت المقدس إلى السماء ومن السماء إلى سدرة المنتهى وتستمر قضيتها إلى قيام الساعة.
جاء ذكرها في القرآن الكريم في سورة توسطت القرآن الكريم فكانت سورة الإسراء والتي تسمّى أيضا بسورة بني إسرائيل، كانت في وسط القرآن لتعيش الأمة قضية ربط المسجد بالمسجد وربط الأرض بالأرض وتعيش قضية سترافقها إلى قيام الساعة أنها قضية المواجهة مع قتلة الأنبياء والأنبياء.
في بداية السورة جاء التسبيح {سبحان} وجاء التسبيح بصيغة المصدر وقد أتى في سور أخرى بصيغة الماضي {سبّح للّه} وبصيغة المضارع {يسبّح للّه} وبصيغة الأمر {سبّح أسم ربك الأعلى}.
جاء بعد كلمة سبحان لفظ {الذي} وكأن بلفظ «الذي» جاء يختزل كل أسماء الله الحسنى وكأن كل اسم من أسماء الله يمكن أن يكون مكانا «الذي» فجاءت كلمة «الذي» لتجمع كل الكلمات ولست تجمع كل الأسماء والصفات أن الذي أسرى بعبده هو الله سبحان الذي أسرع بعبده وتأمل أن يكون الذي أسرى هو الله وأن الذي أسري به هو عبد الله فكانت تلك الصفة التي وصف بها رسول الله صلى االله عليه وسلم صفة العبودية وأقرب ما يكون العبد إلى ربه عندما يكون عبدا وإذا كان العبد عبدا كان الرب رباً.
ثم أتت الآية مبيّنة الزمان حيث جاءت كلمة {ليلا} حتى تبيّن أن تلك المعجزة التي تحتاج زمن طويلا كانت بجزء من الليل.
ثم جاءت الكلمات التي تبيّن تحديدا مكاني حيث اتصلت أرض الحرم المكي بأرض الحرم المقدسي لتبيّن الآية من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
المسجد الأقصى
وإذا كان المسجد الحرام قد بارك الله فيه فإن المسجد الأقصى بارك الله فيه وبارك حوله كل ذلك والمقصود من ذلك {لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} وتأمل كيف ختمت الآية {إنه هو السميع البصير} أي سميع لما قيل لك وسميع لما دعوت ربك به، بصير بحالك حيث أردت أن تبلغ دعوة الله.
واليوم ونحن نتذكّر تلك المعجزة التي تحلّ كل عام أن الفرج يأتي بعد الكرب وأن العسر يتولد منه اليسر وأن الأمر إذا ضاق اتسع وإذا ضاقت الأرض تفتح أبواب السماء.
ومن هنا ونحن نستذكر تلك المعجزة ألا تذكّرنا بأن السماء فتحت لنبينا عندما أراد أهل الأرضي أن يغلقوا أبواب الأرض في وجه النبوّة والرسالة.
وإذا بالسماء تفتح أبوابها حتى تستقبل النبي محمدا صلى االله عليه وسلم لا ليستقر في السماء ولكن ليصل الأرض في السماء ويعيد ربنا جلّ جلاله نبينا إلى الأرض بهدية السماء لأهل الأرض أنها فريضة الصلاة التي تجعل من الأمة أمة متصلة بربها فإذا كانت صلة بين الأمة بربها موجودة كانت نصرة الله لها ثابتة.
لقد عاد النبي صلى االله عليه وسلم إلى الأرض حتى تكون هداية الله على يده للبشرية ولم يغب النبي حتى لا تضلّ الأمة.
تأتي ذكرى معجزة الإسراء والمعراج والأمه تعيش استعادة أرض الأجداد وحتى يعيش عليها الأبناء والأحفاد ببركة بيت المقدس وأكنافه وليس بعيدا عن البركة حتى تكون البركة من بلاد الشام وحتى يكون الحاضر كما السابق لذلك تنظر الأمة إلى تحرير بلاد الشام واستعادتها لأهلها على أنها تعيش من جديد بركة بيت المقدس وأكنافه.
كما تأتي الذكرى والأمه تعيش فرح الانتصار وفرح الثبات الذي عنّ له أهل غزة في فلسطين الحبيبة حيث يسجلون اليوم كما في كل يوم عنوان بطولة وعنوان ثبات وعنوان أرض أهلها أحق بها وهم أولى بها ، فمن ثباتهم صنعوا للأمة عزّاً وللأجيال مجداً.
ننظر إلى المجد الجديد من أهلنا في فلسطين الحبيبة الذي غايته رضى الله وطريق تحرير بيت المقدس ليعود إلى حاضنة الأمة ويعود بيت المقدس كما من حوله الأرض المباركة لتعيش عليه الأمة، ولتكون شمس بلاد الشام تسطع من جديدا للعالم كله.
نعم ذكرى الإسراء والمعراج ذكرى انتصار الله للنبي وانتصار الحق على الباطل.
وتبقى الذكرى تشدّنا لنكون على عهد الله وإذا كنا على عهد الله جاءت نصرة الله لنا فكما نسأل الله نبيه فكانت معجزة الإسراء والمعراج نرى اليوم أن الله ينصر أتباع نبيه على جيش قيل بأنه لا يقهر وعلى ظلم عالمي كان معينا للمعتدي ليقول كل من يشهد ويشاهد {إن نصر الله قريب}.
إذاً كما جاء الفرج من بيت الله الحرام إلى بيت المقدس إلى السماء إلى سدرة المنتهى ليعود النبي وتهتدي الأمة بعودته يأتي اليوم الأمل من فلسطين إلى العالم كله مرورا ببلاد الشام وبكل أرض وبكل فردٍ في الأرض حتى تكون قضية العدل وقضية الطهر وقضية العبادة للّه وحده هي الثابتة وهي التي تأتي بالوعد {إنما النصر صبر ساعة}.
* مفتي زحلة والبقاع