في هذه الذكرى السنوية التي تعود بنا إلى رحيل رجلٍ عالِمٍ علّامةٍ لم يرحل، وغيابِ كيانٍ، بحدِّ ذاته، بقي حضوره حيًّا في العقول والضمائر، نقف اليوم أمام اسمٍ كبيرٍ في تاريخ لبنان والإسلام المعاصر:
الإمام آيةِ الله العلّامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
لم يكن الشيخ شمس الدين فقيهاً في محرابه فحسب، بل كان ضميراً وطنياً في ساحة الوطن والأمة، وعقلاً إصلاحياً، وطنياً وإنسانياً، في زمن التمزّق، وصوتاً للوعي حين كانت الضوضاء تطغى على الحكمة. حمل الفقه بعمقه، والسياسة بأخلاقها، والدين بروحه العلمية، فلم يجعل من الدين جداراً، بل جسراً، ولم يحوّله إلى أداة صراع، بل إلى لغة سلام وعدالة.
آمن أن المواطنة هي الأساس الأخلاقي والسياسي لأي «دولة عادلة لمواطنين أحرار»، وأن الإنسان لا يُقاس بانتمائه الطائفي بل بحقوقه وواجباته كمواطن كامل. لذلك شدّد على أن جميع العائلات اللبنانية، بكل تنوّعها الديني والثقافي والاجتماعي، يجب أن تكون محفوظة الكرامة، مصونة الحقوق، متساوية أمام القانون والدولة (الاندماج الوطني).
ورأى أن لبنان ليس كياناً مؤقتاً ولا ساحة صراع بالوكالة، بل وطنٌ نهائي لجميع أبنائه، في رؤية سماحة الإمام القائد موسى الصدر، بكل ما فيه من تنوّع وغنى، دون نقصٍ أو إقصاء، ودون احتكارٍ لهوية أو دور. لبنان عنده ليس ملك طائفة، بل بيتٌ واحد لشعبٍ واحد متعدّد الوجوه، متنوّع الثقافة، متّحد المصير.
ومن هنا كان موقفه واضحاً وحاسماً:
العدو الوحيد هو الاحتلال، وكل ما عدا ذلك اختلاف طبيعي داخل وطن يجب أن يُدار بالحوار، لا بالاقتتال، وبالمشاركة لا بالإلغاء.
كما آمن الإمام شمس الدين بأن لبنان لا يعيش منغلقاً، بل قويًّا بانفتاحه، فدعا إلى الانفتاح على العالم كلّه، ثقافياً وسياسياً وإنسانياً، وإلى بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل، لا على التبعية ولا على العزلة.
وفي قلب كل ذلك، كان الإنسان هو القيمة العليا في فكره:
كرامة الإنسان حيثما كان، أيًّا كان دينه أو عرقه أو وطنه، هي عنده أمانة إلهية وواجب حضاري، لا يجوز أن تُنتهك باسم السياسة ولا أن تُستباح باسم الصراع.
أيها الإمام الكبير،
لقد رحلتَ في الجسد، لكنك بقيت في الضمير اللبناني، وفي الفكر الإسلامي، وفي كل من يؤمن أن الدين جاء ليحرّر الإنسان لا ليقيّده، وليجمع الناس لا ليفرّقهم، وليصنع وطناً لا متاريس.
سلامٌ عليك يوم وُلدت،
وسلامٌ عليك يوم جاهدت بالكلمة والفكرة والموقف،
وسلامٌ عليك يوم رحلت،
ويوم يبعث الله في هذه الأمة من يُكمل دربك في الحكمة، والوحدة، وكرامة الإنسان.
د. غازِي مُنِير قَانْصُو