د. تاليا عراوي*
مع كل يوم يمرُّ، وبسرعة لا تصدّق نشهد للذكاء الاصطناعي قوة صاعدة تُشكلّ تحوّلاً جذرياً يمسُّ جوهر وجودنا ككائنات بشرية عاقلة تتمتع بالمشاعر والأخلاق. يتزامن مع ظاهرة صعود الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات، وخاصة في مجال الأسلحة والطب وعلم الأحياء واصرار روّاده على تظهير إمكانية التحكّم بالطبيعة كأمر مفروغ منه. وهذه الامكانية يُنظر إليها بشكل لا يخلو أبداُ من الوهم أنها تقدّم لصالح البشر والطبيعة.
فعلى سبيل المثال كيف يمكن فهم الرغبة بتطوير نحلة آلية كمُلقحة تفادياً لظاهرة اختفاء النحل؟ فهل هذه الرغبة بريئة من أهداف أخرى كالرغبة بتصميم حشرات اصطناعية هي في حقيقتها أسلحة أو جواسيس خفيّة؟ وما نورده هنا ليس بأوهام ولا ينضوي تحت لواء نظريات المؤامرة. انه واقع العالم المُعاصر، فلماذا نفكر بإنتاج أشجار اصطناعية تُنتج الأوكسجين بينما نقوم بذات الوقت بتدمير منهجيّ حيناً وعشوائيّ حيناُ آخر لاقتلاع أو إحراق الأشجار الطبيعية؟
انه سعيّ حثيث لتغيير ماهيتنا كبشر وماهية المحيط الذي نعيش فيه خدمة لبضعة أفكار أقلّ ما يقال عنها انها لا تضع «الإنسانية» نصب عينها.
مُفارقات درامية
نزعم أننا في طريق امتلاك كل أواصر ومفاتيح الحياة وأن التكنولوجيا تقدّم وستقدّم حلّاً لكل مُشكلة أو لكل أمر نعتبره مآزقا من خلال نظرتنا الدونية إلى الإنسانية، وهل هناك حقاً حلولا تكنولوجية لكل معضلة؟ وهل هي، في حال حضرت، حلولاّ شافية أم هي بمثابة وصفات مُحكمة لكارثة مباشرة أو مُحدّقة بمستقبل البشرية؟ المُفارقات الدرامية تظهر في أكثر من مضمار.
فعلى سبيل المثال دخلت الأرض في عاصفة التغيّر المناخي من سنوات عديدة ولكنها «لم تدخل لوحدها»، إذا صحّ التعبير، لأن البلدان الصناعية التي تنادي لمؤتمرات ومحاولات للسيطرة على هذا التقلب المناخي هي المُسبب الرئيسي في التحوّلات المناخية وهي المُنتجة للأضرار التي تتعرض لها الطبيعة وتدفع ثمنها البشرية جمعاء.
تستمر الفجوة المتعاظمة ما بين ما يسمّى بالدول المتقدّمة وما يسمّى بالبلدان المتخلّفة أو النامية في الجنوب العالمي على النمو وواكب هذا التوسّع ارتفاع منسوب القلق بشأن كل ما يجري من تحوّلات على الأرض. أضف إلى ذلك المخاوف المتزايدة من أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ستجعل البشر عاطلين عن العمل في المستقبل. لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى أصبحت هذه حقيقة واقعة لا يمكن نكرانها إذ بدأت العديد من الشركات في خفض عدد الموظفين وتكليف الآلات بتوالي مهامهم. ويطلُّ علينا هذا التطور كصندوق باندورا، يحمل في طياته وعوداً بمزيد من التقدّم والسيطرة على الطبيعة مع العلم المُسبق أن ذلك ينذر بمخاطر متنوّعة تهدّد جوهر إنسانيتنا.
إن الذكاء الاصطناعي، في حقيقته، ليس سوى انعكاس لقدرتنا على الإبداع والابتكار وهو آمر يُمكن أن يكون نافعاً بل يجب أن يكون نافعاً للإنسانية ولكن ليس هذا ما يحدث، مع حضور بعض الجوانب الإيجابية تتدفق الآثار والتحوّلات السلبية التي تكاد أن تقضي على أي أمر إيجابي قد تكون أحدثه هذا التقدّم التكنولوجي.
مما يكشف من ناحية أخرى عن جوانب شديدة الظلمة مظلمة في طبيعتنا البشرية ويقوم بتغذيتها عن سابق إصرار وتخطيط. من تلك الجوانب نذكر الرغبة في السيطرة والظهور. هذا التطوّر، يشبه تماما فتح صندوق باندورا. فهذه الجوانب المُظلمة هي فعلاً من طبيعة البشر ولكنها استقرّت ماضياً مكتومة في الصندوق المشؤوم تحت لحظ من أدرك وخشي مخاطرها. أما القيّمون على هذا الصندوق اليوم هم أبعد من يكون عن حرّاس الإنسانية ومصالحها (وشتّان ما بين الإنسانية و البشرية) لأنهم من أنواع البشر اللذين يتعايشون مع فكرة السلطة والإستعباد وتشييء الآخرين في خدمتهم وخدمة مصالحهم، والمهزلة تكمن انهم على الرغم من شدّة ذكائهم يفتقرون لمعرفة أو لا يبالون بيقين المعرفة أنهم هم أيضا سيكونون لاحقاً أم آجالا ضحايا لهذا التقدّم المُحمّل بمعانٍ صادمة ومظلمة لن يطيل خروجها من الصندوق إلّا لتكون دمارا شاملاً لهم ولمن أرادوا استعبادهم.
الجانب السلبي لتوسّع استخدام الذكاء الاصطناعي
نادراً ما نسمع عن خبراء يتحدثون عن الجانب السلبي لتوسّع استخدام الذكاء الاصطناعي، فعلى سبيل المثال، تنتج عن مراكز البيانات المتزايدة التي تضم خوادم الذكاء الاصطناعي نفايات إلكترونية إذ يتطلب إنتاج شريحة إلكترونية واحدة ما بين 2.1 إلى 2.6 جالون (8 إلى 10 لترات) من الماء لتبريد الآلات والتأكّد من خلو الرقائق من الملوثات..
قديماً رأى سقراط، إن «الحياة غير المُتمعّن بها لا تستحق أن تُعاش». مقولة سقراط الشهيرة تلك هذه هي اليوم أشدّ سطوة وحضوراً عما قبل. إذ أن هذا التفكّر بالحياة أصبح أكثر إلحاحاً في زمن الذكاء الاصطناعي ومطلوب منا أن نعيد النظر في مفهوم الذكاء الطبيعي اللصيق بطبيعتنا البشرية قبل تسليم زمام أمورنا للذكاء الاصطناعي. إن كان من الإمكان للآلة أن تمتلك وعياً حقيقياً كان موضوعاً وضعه عددا كبيراً من الفلاسفة تحت المجهر لا سيما جون سيرل في تجربته النظرية والتي تعرف باسم «تجربة الغرفة الصينية» حيث توصل إلى أنه من الممكن بناء آلة رقمية تعمل بشكل أكثر ذكاءً من الإنسان، ولكنها لن تمتلك عقلاً أو قصدية بنفس الطريقة التي تمتلكها العقول البشرية.
مجرد التفكير في آلات خالية من الإرادة الحسنة والحرية والعقلانية، غير قادرة على اتخاذ قرارات سليمة وتحمّل مسؤوليتها، يجعل المستقبل قاتماً. ومع الحديث الأخير عن «الذكاء الاصطناعي الحساس أ الواعي – sentient AI»، يصبح مصير البشرية أكثر قتامة إذ يثير ظهور الذكاء الاصطناعي الواعي مخاوف أخلاقية ووجودية عميقة، تشمل مخاوف بشأن حقوقه ومسؤوليته الأخلاقية، واحتمالية سلوكياته غير المتوقعة التي قد تتجاوز السيطرة البشرية. ويلوح في الأفق اضطراب اجتماعي واقتصادي هائل، يشمل فقداناً واسع النطاق للوظائف واعتماداً على الآخرين، إلى جانب احتمال مخيف بأن يُشكّل الذكاء الاصطناعي تهديداً وجودياً للبشرية من خلال الأسلحة ذاتية التشغيل أو الأهداف المتضاربة. ويزيد من تعقيد الأمور الشكوك الفلسفية المحيطة بتعريف الإحساس والوعي، مما يؤكد الحاجة إلى توخي الحذر الشديد ووضع أطر أخلاقية استباقية في خضم هذه التكنولوجيا المجهولة.
لماذا يتم تطوير مثل هذا الشيء؟ ما الغرض الذي يخدم البشرية بهذه التطورات؟ هل سيؤدي هذا إلى شكل جديد من أشكال التمييز الوراثي، وإن كان قائماً على الذكاء الاصطناعي؟ ألا لدينا وفرة من المشاكل التي تحتاج إلى حل، مثل الفقر والحروب وغيرها، والتي يمكن أن تستفيد من الأموال المستثمرة في الذكاء الاصطناعي الذي يخدم البشرية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؟ يجب ألا نتجاهل حقيقة أن الذكاء الاصطناعي وبيئته الحاضنة أصبحا نوعاً جديداً من المخاطر الاستعمارية ونوعاً جديداً من العبودية.
المسؤولية الأخلاقية
إن فكرة «المسؤولية الأخلاقية» سابقاً كما في عصر الذكاء الاصطناعي تثير تساؤلات معقّدة. إذ اعتبر الوجوديون، وخاصة سارتر، أن شخصيتنا ورغباتنا وتطلّعاتنا ودورنا في المجتمع، وما إلى ذلك، هي من صلب ممارسة إرادتنا الحرّة وعليه نحن مدانون بهذه الحرية لأننا مسؤولون عن كل قرار وفعل نتخذه لأنه حكماً سيطال الآخرين. هذه الحرية في إطلاق القوانين وابتكار الوسائل المتطورة التي يُسيطر عليها الذكاء الاصطناعي تظهر من منطلق الوجوديين أنها حرية مُطلقة غير معنية لا بالنتائج الفعلية ولا بالمخاطر التي متى أفرج عنها لن يكون من السهل إطلاقاً ضبطها، هذا إذا افترضنا أنه ثمة من سيكون لديه نيّة في تصحيح ما أنتجته من كوارث على الصعيد الإنساني. من ناحية ثانية نطرح هذا السؤال: هل يمكن للآلة أن تتحمّل مسؤولية أفعالها؟ وإذا حدث خطأ طبي، فمن يتحمّل المسؤولية: المبرمج، الطبيب، أم الآلة نفسها؟ يبدو أننا اتخذنا خياراً كارثياً، اختيار داركوني لا يُنبئ إلّا بزوال الإنسانية.
مع تقدّم الذكاء الاصطناعي، يزداد التساؤل حول معنى الوجود الإنساني، وحول ما يميّزنا عن الآلات. هل نحن مجرد مجموعة من الخوارزميات المعقّدة، أم أن هناك جوهراً روحياً يتجاوز المادة؟ إن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب يطرح تساؤلات أخلاقية عميقة حول طبيعة الصراع البشري، ومسؤوليتنا أمام العنف. نذكر في هذا السياق عمليات تقويض النظام الصحي ليكون أداة حربية Medicalization of war.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات هائلة في مجال الطب، حيث يمكنه تحسين التشخيص والعلاج، وتسريع البحث عن علاجات جديدة. ومع ذلك، يجب أن نكون أكثر إدراكاً للمخاطر المحتملة، مثل التحيّز في الخوارزميات، وصعوبة تحديد المسؤولية في حالة حدوث أخطاء طبية. في نهاية المطاف، يجب أن نتذكّر أن الذكاء الاصطناعي هو مجرد أداة، وأن العنصر الإنساني يظل أساسياً في الرعاية الصحية وان التواصل الإنساني و خاصية التعاطف آمران أساسيان لا يمكن الاستهزاء بهما عنهما.
إن تذكيرنا بقصة باندورا هو تذكير بضرورة الحذر والتفكير العميق قبل فتح أبواب مجهولة. وكما رأى نيتشه، فإن «الرغبة في المعرفة» يمكن أن تكون قوة مدمرة إذا لم يتم توجيهها بحكمة.
إن الخوف من غضب الخالق سبحانه وتعالى هو تعبير عن وعي عميق بالمسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتقنا في هذا العالم. في هذا السياق، يصبح اليقين بأن الله يرانا، حتى وإن غابت عنا أعين البشر، دليلاً على ضرورة التحلّي بالمسؤولية الأخلاقية في كل فعل نقوم به.
لقد تم اعتماد شعار «التسريع أو الموت» من قبل ثقافة فرعية في وادي السيليكون مخصصة لإعادة تنظيم المجتمع من خلال التسارع التكنولوجي، مما يترك الانطباع بأن البشرية رهينة لفرض الذكاء الاصطناعي. لا يوجد تراجع وإذا كان هناك أي استسلام، فإن طبيعته ستكون أكثر تخويفاً من تبنّيه.
سأنهي هذه المقالة بسؤال واحد: في عالم نشهد فيه الحروب والإبادة الجماعية والفقر المتزايد والظلم والإفلاس الأخلاقي، هل نحتاج حقاً إلى العمل بنشاط نحو عالم يسيطر عليه الذكاء الاصطناعي أو أن ننفق الوقت والمال على استعادة وإحياء ما تبقّى من إنسانيتنا المُحطمة؟
* أخصائية في الأخلاقيات الطبية والسريرية