د. محمد قاسم المنسي*
يعني الإحسان -في اللغة- فِعل ما هو حَسَنٌ، والإجادة، والإتقان، ويُعَدّ الإحسان من قوانين القرآن الكريم؛ فهو يطالبنا بذلك فيما يقرب من مائتى آية، ابتداء من القول إلى الفعل إلى الخُلُق إلى وصف الأشياء إلى غير ذلك، بحيث لم يترك القرآن الكريم شأنا من شؤون الحياة إلّا وأرشدنا فيه إلى هذا القانون وإلى هذه القيمة؛ لما لها من تأثير في الحياة.
وعلى الرغم من هذه العناية الفائقة بهذا القانون، فإن صداه عند المسلمين في العصور الأخيرة جاء ضعيفا، اللهم إلّا من بعض الجوانب التي بقيت فيها فكرة الإحسان حاضرة في فكر وسلوك المسلم، لكنها رغم هذا الحضور لا تمثل أسلوبا أو منهجا عاما؛ ومن ثم خسر المسلمون وخسر معهم العالم هذا القانون الحضاري.
ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما السبب في غياب قانون الإحسان عن حياة المسلم المعاصر؟ وكيف نستعيد هذه القيمة؟
غياب الإحسان وكيف نستعيده
أما أسباب غياب قانون الإحسان عن حياتنا، فيرجع في تقديري إلى ما يأتي:
أولاً: ضعف الدور الديني في صياغة الحياة المعاصرة، فمع هذا الضعف تم اختزال الدين في الشعائر والأركان الظاهرة وبعض المظاهر الشكلية على حساب الجوهر والروح.
ثانياً : القصور التربوي الذي أغفل قيمة الإحسان، باعتبارها قيمة يتربّى عليها البشر منذ الصغر، حتى تصبح أسلوبا ومنهجا واضحا في حياتهم.
ثالثاً: الاضطراب الفكري الذي عاشته المجتمعات الإسلامية في العصر الحديث؛ بسبب الصراع الثقافي بين ثقافة وافدة تسعى إلى الهيمنة والسيطرة، وثقافة مستقرة تُعَدّ بمثابة الهُوِيّة والشخصية القومية التي تتميّز بها الشعوب الإسلامية عن غيرها.
أما كيف نستعيد قانون الإحسان؟ فإني أرى ما يأتي:
أولاً: استعادة الثقافة القرآنية في حياة الناس، بحيث يستمد المسلم قِيَمَه ومبادئه وأسلوب حياته من آيات القرآن الكريم.
ثانياً: تفعيل قانون الإحسان في جوانب الحياة كافة، بحيث يُكافَأ من يحسن؛ فتكون هذه المكافأة من باب التشجيع له ولغيره على التحلّي بقيمة الإحسان والثبات عليها.
ثالثاً: إحياء البرامج والآليات التي تجعل فكرة الإحسان وقانون الإحسان أمراً ملموساً في واقع الحياة، مثل فكرة «القرض الحسن الدوار» الذي يستفيد منه عدد من الأشخاص وليس شخصا واحدا، وفكرة «الوقف» أو «الصدقة الجارية» وغيرها من الأفكار التي تقدم خدمات عامة يستفيد منها عدد غير محدود من البشر.
وقد مضت سُنّة الله على أن المحسن لا يُحرَم من ثمرة عمله، وهذا ما دلّت عليه آيات كثيرة في القرآن الكريم نذكر منها:
قوله (تعالى): {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}، وقوله (تعالى): {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله (تعالى): {وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
وهكذا يؤكد القرآن أن ثمرة الإحسان مضمونة، وأن المحسنين سينالون جزاء إحسانهم في الدنيا والآخرة، مصداقا لقوله (تعالى): {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.
ومما ينبغى الالتفات إليه -في هذا الصدد- أن الإحسان قيمة من القيم الإنسانية التي تخدم الحضارة الإنسانية في وسائلها ومقاصدها؛ لأن الخطاب الإسلامي في مجموعه يسعى إلى صياغة الإنسان صياغة تتواءم مع أعباء الاستخلاف والإعمار في الأرض، عن طريق اكتشاف القوانين التي يسير عليها هذا الكون، والانتفاع بها في إعادة صياغة الإنسان.
ومن النماذج التي طُبِّق عليها هذا القانون نموذج سيدنا يوسف (عليه السلام)؛ فقد أحسن في كل المواقف التي تعرَّض لها، ولم يصدر عنه سوء تجاه أي أحد، حتى وهو في السجن كان محسنا بشهادة من كانوا معه في السجن فقالا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.
وكانت المكافأة من الله (تعالى) له بأن مكَّن له في الأرض، وجعله والياً على «مصر» في فترة عصيبة، واستطاع أن يجنّب «مصر» والمنطقة المحيطة خطر المجاعة، وفسّر هو ما حدث له بأن هذا كان جزاء «التقوى والصبر» وذلك في قوله (تعالى): {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
* أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة