في جو التشاؤم المسيطر على نفوس كثير من الناس من حولنا، وفي الوقت الذي يروّج فيه لفكرة خبيثة مفادها أن الإسلام ما عاد مناسبا للعصر الذي نحن فيه، نجد أن من الضروري أن يكون هناك طرحا واضحا ومعالجة سريعة لعدد من الأمور التي من شأنها أن تعيد فعالية الدعوة إلى سلوكيات وأخلاقيات وأذهان المجتمع بمختلف فئاته وتثبت لهم بالفعل لا بالقول أن الإسلام هو الدين الخاتم والمناسب لكل زمان ولكل مكان.
فالخطاب الديني ليس مجرد كلام يلقى هنا أو هناك، وليس شعارات تطلق في الخطب أو المناسبات، وإنما هو دعوة ذات تأثير واضح في المشار الأخلاقي والفكري للمجتمع، ولذا لا بد من تفعيل أدوارها لتكون مؤثرة بالحق، ولذلك هي ضرورة اجتماعية لتحقيق الإصلاح قدر الإمكان في المجتمع.
فالقرآن الكريم دعانا إلى الوحدة وعدم التفرّق لضمان سلامة المجتمع فقال {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا}، ودعا إلى محاربة الظلم والفساد فقال {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ولَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، كما أمر بنبذ الفتن ورفض الوقيعة بين الناس فقال {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}، وكل هذا إنما لضمان صلاح المجتمع وصوابية مساره.
أمور لا بد منها
ولكن لتحقيق هذه الأهداف الراقية لا بد من أن يكون الخطاب الديني مقدّما للناس بالطريقة السليمة التي تؤدّي المطلوب منها في مختلف المستويات..
وأول هذه الأمور هي مسألة تبنّي الدعاة والخطباء للقضايا الحياتية التي يعاني من سلبياتها الناس، كعدم قدرة الشباب على الزواج، وكعجز الأهل عن تعليم أولادهم، وغيرها من المسائل التي غرقت في وحولها العائلات ولم تجد من يوصل صوت أنينها للمسؤولين أو من يقدّم لهم الحلول ثم يساعدهم على تحقيقها.
وثانيها.. أن نعيد تأهيل أسلوب الخطابة الذي اعتمده جمع غفير من الدعاة على منابرنا، لأن شكوى المسلمين اليوم باتت كبيرة... سواء من الأسلوب الجاف أو من اللغة المقعّرة أو حتى من لهجة الاستعلاء التي اعتاد بعض الدعاة عليها، وكل استمرار على هذا النهج المرفوض سيزيد من التنفير وخاصة عند جيل الشباب الذي يحتاج منا إلى رعاية خاصة واهتمام أكبر.
الأمر الثالث.. أن نعلم الناس وفق خطة مدروسة أن رأي مجتهد فقيه لا يعني إلغاء آراء المجتهدين الآخرين، وبالتالي من لا يأخذ به ليس فاجرا ولا فاسقا ولا عاصيا، وإنما اختار الرأي الآخر المباح شرعا، مما يعني أيضا عدم إلزام الناس من خلال أسلوبنا برأي معيّن أو اجتهاد محدّد، بل علينا أن نعلّمهم فقه الاختلاف ثم نطرح الآراء ثم يكون الخيار عند كل إنسان حسب ظروفه وبيئته وأحواله.
والأمر الرابع.. محاربة «الإعوجاج الفكري» الذي سيطر على بعضهم، بحيث أصبح همّهم من دعوتهم ليس إظهار عدالة الإسلام وقيمهم الراقية وتعليم الناس أمور دينهم، وإنما فقط.. البحث عن أخطاء كل آخر مختلف ليثبت للناس أنه على خطأ، مما يعني تحوّل الجهد عندهم من حيز التعليم والإفادة إلى حيز الفضيحة والإساءة..؟!
وأما الأمر الخامس - وربما هو الأكثر حاجة للإصلاح في عصرنا – يتمثل في تلك المشاعر «الغاضبة» والسلبية التي يترجمها كثير من الدعاة والخطباء من خلال تعاملاتهم اليومية مع الناس، فنرى أحدهم يسير بين أهله وإخوانه مكفهر الوجه، صامتا، متشائما، عبوسا، عاقد الحاجبين، وصوت أنفاسه يرعب كل من يلقاه، بل و«لا يعجبه العجب ولا الصيام برجب»..؟!
ومع مرور الزمن وتحوّل هذه «التكشيرة» إلى ما يشبه «الفلوكلور التراثي» أعتقد كثير من حديثي التخرّج أنه أصل في صفات الداعية فالتزموا به، وراحوا يسيرون بين الناس وكأن هموم الدنيا على رؤوسهم، يعشقون الكآبة ويهجرون البسمة.. ويريدون من كل المجتمع حين يلقاهم أن يهب واقفا فيسعى لرضاهم ويقبل أياديهم ويتبرّك بلمس معاليهم..؟!
أيها الدعاة.. إن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم كان يسير بين الناس ويقول «إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ» فكونوا مثله... وإلّا فالهوة ستبقى بعيدة.. ونحن أول المسؤولين..؟!
bahaasalam@yahoo.com