تمرُّ علينا في مثل هذه الأيام ذكرى رحيل كبير من بلادنا، وهو سماحة المفتي الشيخ خليل الميس رحمه الله تعالى.
وذلك الكبير منذ لقائي الأول معه أدركت أنه مختلف عن الآخرين.. وأنه مميّز.. فهو صاحب فلسفة خاصة، لا توجد عند غيره من أهل العلم الذين عرفتهم..
ولقد كانت دروسه لي ساعة علم وسعادة لأني كنت وقتها أشعر أنني أغذّي عقلي وليس ذاكرتي كما حصل في دروس أخرى، وكثيرا ما كانت أسئلته لنا صعبة لا يجيب عليه أحد لأن جوابها المطلوب يتطلّب بلاغة وخبرة لم تكن قد اكتملت في نفوسنا بعد..
ولكم فرحت بعد ذلك بسنوات بأن قام سماحته بعقد قراني بنفسه على زوجتي مما شرّفني كثيرا..
سماحة التواضع
والمفتي الشيخ خليل الميس رغم مكانته العلمية والاجتماعية والسياسية فهو شديد البساطة، متواضع محبَّب الشخصية لدى الجميع، ما زالت أخلاق وسلوكيات القرية الرفيعة مسيطرة عليه حتى بات من أجمل وأرقى الشخصيات التي يمكن للمرء أن يصادفها أو يتعرّف عليها في حياته كلها..
ولهذا الرجل الكبير فضل كبير عليّ في تقديم إعمال العقل والتفكير في بواطن الأمور لا ظاهرها، فلقد كان متابعاً لعملي الصحافي، وقارئاً ناقداً لمقالاتي، وأيام كثيرة كان يلقاني فيحدّثني عما كتبت ويوجّهني لما فيه الخير لي.. الأمر الذي كان يترك في نفسي سعادة بالغة لا لأنه يوجّهني فقط ولكنه أيضاً لأنه يقرأ نتاج طالب تعلّم على يديه الكثير الكثير..
ومن خلال هذا الكبير تلقّيت جرعات كبيرة من (منشطات الجرأة) لقول الحق إن صح التعبير، حيث كان يحثّني دوماً على انتقاد ما أراه خطأ دون خوف أو تردد.
صداقة تعلّمت منها
واسمح لنفسي هنا بالقول إن علاقتي بالراحل الكبير الشيخ خليل الميس لم تكن علاقة تقليدية أو نمطية، بل كانت أكبر من ذلك وأوسع، فقد كان رحمه الله تعالى يطمح بتخريج رجال فكر يناقشون ويحللون ويعملون العقل، لا مجرد أناس حفظوا بعض الأحكام والأصول وانتهى الأمر، وكم من مرة تناقشنا وسمح لي بالاختلاف معه، والأجمل أنه كم مرة طلب مني أن نجلس معا نشرب القهوة وأوضّح له بعض الأمور المستجدّة أو بعض القضايا الحديثة التي كما كان يقول لي : (هاي لجيلكم مش إلنا)... قاصدا أنها من اختصاص أبناء جيلي.
كم من مرة اتصلت به فيردُّ عليّ بظرفه المعهود قائلا: Hello My name is Khalil Al-Mays، وحين أردّ يقول ضاحكا: (ما بحكيك على الهاتف قمْ وتعال نشرب القهوة سويا أنا بمكتبي في أزهر بيروت)، وما أن آتيه وأجلس معه حتى أجد نفسي في كل مرة أمام علم من أعلام العلم والفقه والبلاغة والأدب والتواضع والفكر الواسع، وأيضا أمام قدوة في التعامل الرقيق والبسيط مع كل الناس على اختلاف درجاتهم ومستوياتهم، يعامل الكل كما لو كانوا أقرب الناس إليه فيكرمهم ويتلاطف معهم، لم يقصده أحد إلّا لبَّاه، لم يسأله أحد إلّا أجابه، فأحبّه الناس جميعهم.
حتى في محاضرته أثناء سنوات الدراسة كان مصدر بهجة وسرور وطمأنينة وفرح للطلاب، يستوعب الجميع ويحتوي الكل، ولعل كل من تعلّم على يديه يذكر قصة الـ «250 ليرة»، فقد كان يأخذ من المخطئ والمتأخّر 250 ليرة (في وقتها) كغرامة على فعلته، ثم يجمع المال في نهاية المحاضرة ويدفعه في وجوه الخير، والعجب أننا كنا نتسابق وأحيانا نتعمّد التأخير حتى ندفع وننال الأجر، ومع هذا الأجر بعض الكلمات المبهجة من سماحته، ولذا تعلّمت على يديه الكثير، وأخذت منه حكما راقية في الأخلاق وفي الدعوة وفي التعامل وفي الخطابة وفي العديد من الأمور.
لا زلت أذكر تماما وصاياه وكلامه بعد حصولي على درجة الماجستير، ولا زلت أذكر وصاياه أثناء قيامه بعقد قراني، كما لا زلت أذكر حكمته ونظرته المستقبلية أثناء الأحداث التاريخية التي عصفت بالبلاد في العام 2005 وما بعده، وجرأته في قول الحق في مختلف المناسبات، وزهده في الحياة وبساطته المعهودة التي جعلت كل الناس يتكلمون إليه في كل وقت دون مانع أو حاجز.
خليل الميس... كان أستاذي.. ومعلّمي... ومرشدي... وصديقي.. وموجّهي... وقدوتي..
رحمك الله أيها الكبير وأعاننا أن نكون من البارّين بك...؟!
bahaasalam@yahoo.com