لامني البعض من الأخوة الكرام حين أقدمت على نشر مقال الأسبوع الفائت تحت عنوان (بعد أسئلة عن أسباب ضياع الأثر الإيجابي لأئمة المساجد في لبنان: واقع سقوطهم في مستنقعات الفقر أسقط فعالية دورهم الدعويّ.. والمطلوب علاج فوري؟!)، وقالوا لي أن علاج الأمر ليس بهذه السهولة، فلبنان بأكمله يعاني من أزمة اقتصادية كبيرة، فكيف تريد للدعاة والخطباء أن يكونوا في حالة مختلفة عن حالة البلد..؟!
نقاط لا بد من توضيحها
ومن هنا اسمحوا لي بداية أن أوضح بعض الأمور:
أولا.. ليس المقصود بما كتبناه أن يكون الدعاة والخطباء والعاملين في مجال الدعوة إلى الله تعالى (من صنف الأغنياء) الذي ينعمون برغد العيش وترفه، بينما الشعب من حولهم يعاني الأمرّين، وإنما المقصود الأول هو أن ينالوا أبسط حقوقهم التي نص عليها الشرع الحنيف والقانون في بلادنا، ليكونوا من (الأحياء)...؟!
ثانيا.. صحيح أن العلاج ليس سهلا في ظل الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تعصف بالبلاد، وصحيح أن الانقلابات التي حصلت أثّرت على كل مجالات العمل في لبنان، ولكن الصحيح أيضا أن كل المؤسسات تعمل على تحسين أوضاعها والبحث عن سبل الخروج من هذه الأزمة، إلّا أحوال الدعاة والخطباء والعاملين في مجال الدعوة إلى الله التي بقيت كما هي، ولم نسمع عن أي جهد يُذكر للخروج من الأزمة أو حتى للبحث في سبل معالجتها.
ثالثا.. (وهو الأمر المستغرب جدا) العاملون في كل المجالات يعقدون الاجتماعات واللقاءات للمطالبة بتحسين أوضاعهم والبحث في سبل الخروج مما يعانون منه، إلّا الدعاة والخطباء والعاملين في مجال الدعوة إلى الله، للأسف آثروا السكوت وجعلوا التعبير عن أزمتهم همزا ولمزا وكأنه (رجس من عمل الشيطان)؟!
رابعا.. المقال لم يكن أبدا لمهاجمة الأشخاص، ولا للإساءة إليهم، فنحن نربأ بأنفسنا أن نكون (شخصانيين)، وإنما الهدف الأساس هو الإضاءة على معاناة كبيرة لفئة اجتماعية محترمة تعاني معاناة ضخمة، والمطلوب منا جميعا أن نسعى لإزالة هذه المعاناة بشتى الطرق الشرعية.
تنمية الأوقاف وتفعيل آثارها
أما عن الأساليب المتاحة لحلّ هذه الأزمة المتفاقمة في بلادنا، فالطريق الأول للسير في اتجاه الحل الصحيح هو إعادة النظر في مفهوم وأدوار وأهداف الأوقاف في بلادنا.
فمن المعلوم أن عمل مديريات (أو وزارات) الأوقاف في مختلف بلاد العالم الإسلامي، هو أولا الاستثمار في الأراضي والقدرات والأموال الوقفية بهدف تنميتها وتحقيق عوائد منها، لتنفق منها على الجهات المحددة في شروط الواقف، كالمساجد والمدارس والمستشفيات، أو لتأمين سبل عيش الدعاة والأئمة والعاملين في الميدان الدعوي، إذ أن مديريات (أو وزارات) الأوقاف هي المعني الأول بالإشراف على المساجد وإعمارها والعناية بها وبالعاملين فيها لتقوم بدورها الديني والثقافي والاجتماعي في البلاد.
وفي أيامنا التي يسعى فيها العالم كله لتحقيق مفاعيل التنمية المستدامة، ليس من المقبول أن تبقى نظرتنا للوقف بكل أبعاده ومجالاته تلك النظرة التقليدية القائمة على انتظار تبرّع من هنا أو هبة من هناك ثم الإشراف على توزيعها.. وانتهى الأمر..؟!
ولذلك نقول إن المطلوب الأول هو إعادة النظر في مفهوم وأداور وفعالية الوقف، بحيث يكون الهدف منه ليس حلّ الأزمات المعاصرة التي نعاني منها فقط، وإنما أن يكون أيضا حاضر العمل الوقفي مؤسسا لمستقبل يراعي احتياجات الأجيال المقبلة، فينثر في المجتمع بذور ثمار الغد برؤية علمية تنموية حضارية، يعمل على تنفيذها أبناء اليوم ليعالجوا واقعهم، وفي الوقت عينه يمهّدوا طريق المستقبل للأبناء والأحفاد.
وهذا الأمر بلا أدنى شك يحتاج إلى رؤية جديدة، وإلى أساليب عمل جديدة، وإلى أفكار جديدة، وبالتالي إلى أجيال واعية جديدة تواكب هذا التطور الإيجابي وتسعى لتنفيذه بالطرق الصحيحة.
وهذا الكلام لا يعني أبدا الإساءة لأحد، وإنما يعني بالدرجة الأولى ضرورة التجديد في مفهوم الفكر والعمل الوقفي في بلادنا ليكون فعلا ملبّياً لحاجات المجتمع الذي هو أول داعم له، وبالتالي إن لم يقتنع بالعمل الوقفي ولم يرَ حسن آثاره، فلن يقدم على وقف أي شيء..!؟
المؤسسات التعليمية الوقفية
ودعونا حتى لا يكون الكلام عاما أن نذكر مشروعين فقط من المشاريع التي نحتاج إليها من خلال العمل الوقفي في بلادنا..
أولا.. المؤسسات التعليمية الحديثة: ولعلّ هذا الأمر هو أبرز ما نريده في واقعنا اللبناني، فحين نُعمل (الفكر الوقفي الجديد) لبناء المؤسسات التعليمية والتربوية الحديثة، فنحن في حقيقة الأمر نعمل على تنمية أهم مقوم من مقومات التنمية في بلادنا وهي (الإنسان المسلم)، فنزوّده بالتعليم الصحيح ونقدّم له التربية التعليمية الصالحة والتوجيه السليم، فنخرج للمجتمع جيلا إيجابيا صالحاً وبناءً في مجتمعه.
كلنا نعلم أن أزمة الغالبية العظمى من الأسر في بلادنا هي مسألة التعليم بشقيه المدرسي والجامعي، خاصة بعد أن أصبحت المؤسسات التعليمية في بلادنا - وأقولها دون مواربة - مؤسسات استثمارية تدرّ الملايين على أًصحابها، وبالتالي أصبح لزاما علينا - انطلاقا من الفكر الوقفي التنموي الذي نطالب به - أن ننشئ تلك المؤسسات، أولا لدعم الناس علميا وتربويا ومحاربة الأمية والجهل، ثانيا لتحقيق بعض من المساواة الاجتماعية بين فئات المجتمع اللبناني الذي بات كثير من أفراده عاجزين عن تعليم أولادهم، ثالثا أننا ومن خلال جزء من أرباح تلك المؤسسات نسعى لتمويل مشاريع وقفية جديدة، ورابعا أننا في هذه المؤسسات نستفيد من خبرات كثير من أصحاب الكفاءات الذين يعانون من البطالة في مجتمعنا.
ولا يعتقد أحد أن تلك المؤسسات الهدف منها هو فقط حل المشكلة الآنية لمسألة التعليم التي نعاني منها، ولكن نريدها مؤسسات تعليمية تنموية متطورة باستمرار، لتنافس بعد سنوات عدة على المراكز الأولى في مستوى التعليم والتربية في بلادنا، كما تقدم للمجتمع خرّيجين يبدعون في شتى المجالات الفكرية والعلمية والوطنية ليكونوا سفراء لهذه المؤسسة، فيقدموا لها مستقبلا الدعم بمختلف مجالاته تحقيقاً لمبدأ التنمية المستدامة.
الفنادق الوقفية
ثانيا.. الفنادق الوقفية: لا يخفى على أحد من العالم أجمع أن رأس مال لبنان الحقيقي هو السياحة.. فهي أهم مصادر الدخل في خزينة الدولة، وهي الداعم الأول للاقتصاد الوطني، فما المانع إذن من إنشاء لجنة وقفية خاصة تسعى إلى إعداد دراسة شاملة ثم البدء في إنشاء الفنادق الوقفية التي يعود ريعها على دعم المشاريع الخيرية في مختلف المجالات.
فبلادنا التي أنعم الله عليها بجمال الطبيعية وتنوّع الفصول وتعدّد الموارد الطبيعية ليس من المقبول أن نتعامل معها (وقفيا) بهذا الأسلوب السلبي، بل علينا أن نحقق حسن التفاعل معها بحيث نسعى لتنمية الوقف فيها وفي الوقت عينه تحقيق التنمية في مختلف مناطقها..
ففي محافظة الشمال على سبيل المثال، لدينا العديد والعديد من المناطق التي تصلح لتكون مقرا لمثل هذه الفنادق الوقفية، وكذلك في البقاع وفي الجنوب وفي الإقليم وغيرها، بحيث يمكن لنا أن نؤسس لفنادق وقفية تراعي ثوابت الأخلاق الإسلامية وفي الوقت عينه تقدم للنزلاء أجمل الخدمات الترفيهية المحترمة.
وفي مثل هذه الفنادق نستوعب مختلف الخبرات الموجودة عند شبابنا المسلم، فنتشارك مع الإداريين والطهاة والمهندسين والفنيين والعاملين والتقنيين وغيرهم في سبيل إنجاح هذا المشروع.
وهذه المشاريع الوقفية تقوم بتنمية المناطق التي تعاني من إهمال كبير في المجالات شتى، وتحقق حسن الانتماء عند أهلها، وتزيد من ارتباطهم بأرضهم، وتقدم الفرص لأبنائها المتفوّقين من العمل والتميّز، وفي الوقت عينه تدرّ الأرباح على الصناديق الوقفية.. إن كان بناؤها وعملها وإدارتها بالشكل الاستثماري التنموي الشفاف الصحيح..؟!
إن الأمثلة كثيرة أيها السادة.. ولكن يبقى السؤال الأكبر والأبرز..
هل سنحقق فضيلة تجديد (الفكر الوقفي) وتحقيق التنمية المستدامة في بلادنا من خلاله، أم ستبقى نظرة الوقف عندنا محصورة في (براد مياه باردة نضعه في زاوية مسجد) أو (سجادة نقدمها لقاعة عزاء)..؟!
Bahaasalam@yahoo.com