تعالوا أيها الأخوة جميعا لنقف وقفة حق مع أنفسنا، ودعونا نعترف أن مشكلة كبيرة واقعة بيننا كمسلمين.. وبين القرآن الكريم، وهي مشكلة ذات فروع فكرية وثقافية وعملية وسلوكية وأخلاقية أوصلتنا إلى أن نعيش في حالة مأساوية فأبعدتنا عن كل ما له صلة بحضارة ورقيّ القرآن الكريم.
وأصل هذه المشكلة أننا اعتمدنا منذ سنوات وسنوات مفسدة «قولية العلاقة» مع كتاب الله تعالى حتى أصبحت الرابطة بيننا وبينه مجرد أقوال وشعارات نقولها هنا أو هناك... ثم لا شيء..؟!
أصبحنا كأمة وكأفراد نقرأ القرآن ونرتّل القرآن ونقيم الليالي للاستماع إلى القرآن.. وفقط..!؟
أما أن نترجم هذا القرآن إلى منهج وإلى سلوك وإلى عمل وإلى حضارة وإلى خطة نهضوية شاملة تنفع البلاد والعباد فلا وألف لا؟!
ولعلّ هذه الآفة انتشرت بسبب انتشار «الفهم الأعوج» لبعض الآيات وبعض الأحاديث النبوية الذي تم التركيز عليه خلال عقود كثيرة مضت.
ففي القرآن الكريم نجد مثلا قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} وغالبية من تحدّث أو فسّر هذه الآية قام بأخذها على الظاهر، فاعتبر أن (قرأت) هنا بمعنى تمرير الآيات على اللسان، ومن ثَّم فإن الناس قد أخذت بكلامهم دون تردد فحصروا العلاقة بالقراءة فقط..؟!
ومثلها، ما ورد في سنّة النبي صلى االله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ (الـم) حرفٌ ولكنْ (ألفٌ) حرفٌ و(لامٌ) حرفٌ و(ميمٌ) حرفٌ).
نعم .. القراءة مطلوبة، ولصاحبها الأجر الكبير والثواب العظيم بإذن الله، ولكن ليس لذاتها كقراءة مجردة، بل لأنها الباب الذي من خلاله تدخل الآيات والأحاديث إلى العقول فتتفاعل معه لتنشر نورها المبارك، فيلامس القلوب، ويصوِّب الأخطاء الحياتية، وينعكس حضارةً وخلقاً وصلاحاً على عمل الجوارح كلها.
فالقراءة ليست فقط عملية لسانية، وإنما هي من أبرز الوسائل التي يصل الإنسان من خلالها إلى اكتساب المفاهيم الصحيحة والقيم الراقية والعلم والمهارات، وإلى معرفة الاخلاق، وإلى تمييز النافع من الضارّ، وإلى تفريق الخير عن الشر، وغيرها الكثير من المحاسن بهدف إصلاح الفكر والحياة، وهذه العملية العقلية المعرفية التي تُعرف بمصطلح (القراءة)، لا يمكن أن تحقّق الأهداف التي تحدثنا عنها إلّا إذا قام صاحبها وهو الإنسان المسلم، بما يشبه عملية التشريح لكل كلمة، حتى يصل إلى المعاني الكامنة بداخلها، ثم يبدأ بالكلمة التي بعدها حتى يشكّل في نهاية الأمر سلسلة متكاملة ومتناسقة من المعاني التي تترسّخ في عقله وتترجم في سائر نواحي الحياة.
لا بد من السعي للحلول
إنها مشهدية «كوميدية سوداء» تصرخ في وجوهنا لتقول إننا في كارثة إيمانية وفكرية كبيرة من حيث طبيعة علاقة جيل بأكمله مع القرآن الكريم، ولن تحل هذه المشكلة إلّا إذا أعددنا خطة علمية واجتماعية وثقافية وتربوية واعية وشاملة تعيد ربط الناس بالقرآن الكريم عمليا بحيث يصبح هو في فكرهم وعقلهم الدستور الذي يلتزمون به ويسيرون على هديه بعيدا عن أي من تلك الشوائب التي ألصقت زورا وبهتانا بالفكر الإسلامي.
أما طريقنا فهو الفكر.. ثم الفكر.. ثم الفكر..
فلا بد من تنمية الفكر، ومن تقديم الغذاء الصحي له، ومن السعي على تربيته التربية الصحيحة التي تحقق لصاحبها حسن التفاعل مع هذا الكتاب الكريم.
هذا الفكر.. الذي هجرناه منافعه منذ عشرات السنوات واستبدلناه بآفة التبعية والتقليد الأعمى هو السبيل الوحيد لإعادة العلاقة مع كتاب الله وفق مراد الله وهدي رسول الله.
وأكبر التحديات... هي تلك الموجات الفاسدة المتستّرة بعباءة دينية والتي تصوّر فضيلة التفكير للناس وكأنها خروج عن جادة الصواب أو تعد ممنوع حتى أصبحنا فعلا نعيش في زمن «لا تفكر فنحن نفكر عنك..؟!».
إن القرآن الكريم كتاب مبارك أنزله الله تعالى على قلب سيدنا محمد صلى االله عليه وسلم لنعمل به ولنطبقه ولنتفاعل معه وليستخرج كل جيل من كنوزه وعطاءاته التي لا تنقضي، وكل جيل أو أمة أو شعب، يترك هذا الرقيّ يرتكب جريمة بحق دينه وبحق نفسه وبحق الأجيال القادمة.
نريد القرآن الكريم في سلوك الناس وليس فقط على ألسنتهم..؟!
نريده مكوّنا أصيلا من مكوّنات فكرهم وليس ديكورا في الصالونات والسيارات..؟!
ونريده طبعا نهجا مباركا نلتزم به في حياتنا حتى نحيا به ونتقدم ونكون حقا (خير أمة أخرجت للناس)..؟!
bahaasalam@yahoo.com