د. تاليا عراوي*
مع اقتراب الساعة من ذروة انتصاف الليل، يتهيّأ العالم لعبور عتبة زمنية نُعلق عليها آمالاً عريضة، وكأننا نرتجي من طيات الأيام أن تمنحنا صكاً جديداً للسعادة. نمارس في هذه اللحظة طقوس التفاؤل وكأن الكون قد أعاد ترتيب أجرامه احتفاءً بنا؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا العام الجديد (بغض النظر عن كونه أدت تجارية ورأسمالية محضة) حدث كوني ملموس، أم أنه محض بوابة ذهنية اخترعناها لنمنح أرواحنا فرصة ثانية؟ من خلال هذا الطرح، نكتشف كيف نحول الأرقام الجامدة في التقويم إلى طاقة حية للتجديد والتكافل الإنساني، مستلهمين ذلك من المحكم الإلهي: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً}.
إن الانتقال إلى عام جديد غالباً ما يُقابل بأمل جماعي يتاخم حدود اللامعقول، وهي ظاهرة تستدعي استنطاقاً ديريدياً لواقعنا المتصور، فبينما يستثمر الملايين حول العالم تطلّعاتهم في بداية تُوصف بالسعادة، يكشف التفكيك المنطقي أن هذا الحدث ليس في جوهره سوى بناء مجتمعي باهت رُسم على صفحات التقويم؛ فهو يحمل أبعاداً رمزية تفتقر إلى حقيقة مادية ملموسة، مما يضع ميتافيزيقا الحضور التي تفترض وجود واقع موضوعي خلف الأرقام محل تساؤل.
وخلافاً للتحوّلات الملموسة التي نشهدها في فصول السنة، لا يمثل العام الجديد حدثاً تجريبياً أو ظاهرة كونية؛ فالزمن لا يعبر فعلياً إلى مستوى جديد، والطبيعة من حولنا، بدءاً من النمو الصامت للنباتات وصولاً إلى المسارات الأزلية للنجوم، تظل غافلة تماماً عن هذه المحطة التي ابتدعها الإنسان. ومع ذلك، وبالرغم من افتقار هذا التاريخ لوجود حقيقي في العالم المادي، فإنه يؤدي وظيفة نفسية وروحية جوهرية؛ إذ يعمل كاختراع فكري صُمم خصيصاً لإقناع العقل الجمعي بالمضي قدماً. ومن خلال تحويل التاريخ إلى بوابة، يخلق البشر مساحة مقدّسة تربط بين الدنيوي والإلهي، تمنحنا فرصة لمراجعة ذواتنا والانبثاق في صورة محسّنة؛ وهي عملية صيرورة دائمة لا تكتمل أبداً، بل تظل في حالة من التكشف المستمر.
النزوع البشري نحو بداية جديدة
إن النزوع البشري نحو بداية جديدة متجذّر بعمق، لدرجة أنه تجلّى في روافد ثقافية وروحية متنوعة؛ من السنة الهجرية ونوروز الإيراني، إلى مهرجان الربيع الصيني وعيد ديوالي. وفي إطار المنظور الإسلامي، يُقرأ العام الجديد من خلال عدسة التجديد الروحي والامتنان العميق للخالق، حيث تنبثق هذه الفلسفة من حكمة كبار المفكرين الذين رأوا في الزمن تجليّاً للإرادة الإلهية. وهنا يستحضر النص رؤية جلال الدين الرومي، مشيراً إلى أن كلمة «كُن!» هي التي أوجدت العالم لتؤسس لوجود كوني يتشكّل في أبعاد أفقية وعمودية، وخطية ودائرية في آن واحد. وهذا يفضي بنا إلى استنتاج جوهري: وهو أنه في حين تمثل التقاويم البشرية مجرد هفوة إنسانية أو أثر، يعكس رغبتنا القاصرة في فرض النظام، فإن الحقيقة الثابتة تكمن في ديمومة الخلق الإلهي وتجدّده المستمر.
وبناءً على هذه الرؤية، يُرشدنا العالم ابن عربي إلى ضرورة تحرير الحاضر من قيد الماضي، مؤكداً بصيرة «ما الزمان إلّا ما أنت فيه»؛ لِيُذكّرنا بأن لحظة «الآن» هي فرصة متجدّدة تُكتب باستمرار، ومن هذا المنطلق نُعيد تأطير الاحتفال بالزمن ليكون بوابةً للتكافل الشامل؛ ذلك الفعل الروحي الذي يبدأ بمد يد العون للإنسان ويمتد ليشمل الحيوان والنبات في وحدة كونية متناغمة، ويتجسّد اليوم في أبهى صوره عبر نصرة المظلومين ومواساة المحتاجين، تحقيقاً لجوهر الرحمة المهداة للعالمين. فالبرُّ ليس طقساً شكلياً، بل حقيقة إيمانية تترجمها الآية الكريمة في بذل المال حبّاً للّه لغوث اليتامى والمساكين والمنكوبين، حيث تتجلّى التقوى الحقة في تحويل الإيمان إلى أثر ملموس، ليصبح العطاء هو جسرنا الأسمى نحو آفاق إنسانية أرحب مع كل إشراقة لعام جديد.
إن تحسين الحياة ليس سعياً فردياً، بل هو التزام جماعي يعكس نور الخالق عبر خدمة الآخرين وشكره على وجودٍ يجعلنا أنواراً وسط الظلمات. فالعام الجديد، بعيداً عن أرقام التقويم، هو قارب نجاة ومصباح لشفاء الروح وملاحة مآزق الوجود؛ فهو يمنحنا دافعاً للبحث عن طريق أكثر سلماً واستقامة. وسواء اخترنا صخب الاحتفال أو هدوء التأمل، يظل هذا الوقت تذكيراً قوياً بإنسانيتنا المشتركة، ومناسبة مباركة لملء أيامنا بمحبة الله ورعايته، هادياً إيانا نحو حياة تستحق العيش حقاً.
إن المفهوم الذي نناقشه هو بلا شك بناء اجتماعي شكّلته أيدي التاريخ والثقافة والاتفاق الجمعي، ومع ذلك، فإن وصفه بأنه بناء لا يجرّده من قوته العميقة بل يكشف عن ضرورته. في كثير من النواحي، يعمل هذا البناء كجسر لما وصفه سيغموند فرويد بالشعور المحيطي، وهو شعور ترميمي باللامحدودية وبالاتحاد مع العالم الخارجي يذيب هياكل الأنا المتصلبة. وبينما كان فرويد متشككاً غالباً في مصادر هذا الشعور، إلّا أنه أقرّ بوجوده كتجربة إنسانية أساسية للاتصال. من خلال رؤية بناياتنا الاجتماعية عبر هذه العدسة، يمكننا تحويلها من قواعد جامدة إلى تجارب مشتركة مرنة تذيب الحدود بين الأنا والآخر.
فإذا أدركنا أن هذه الهياكل ملكنا لنشكّلها، يمكننا تصميمها عمداً لتحفيز هذا الحس المحيطي بالانتماء، وعند استخدامه بشكل صحيح، يصبح هذا البناء أداة للتعاطف العالمي؛ إذ ينبغي للجميع تبنّيه ليس كقيد، بل كلفة مشتركة لتقليل المعاناة وتعزيز ازدهار كل فرد. من خلال الاستفادة من هذا الحس بالوحدة الشاسعة المترابطة، يمكننا توجيه أنظمتنا الاجتماعية لجعل الحياة أفضل للجميع، وضمان عدم ترك أي شخص تائهاً خارج نطاق رعايتنا الجماعية.
قوة البدايات في تحقيق التزكية
لا تستمدّ البدايات قوتها من أرقام التقويم، بل من إرادتنا في تحقيق التزكية التي هي جوهر الفلاح:{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}. إن العام الجديد ليس مجرد وجهة نصل إليها، بل هو دعوة مفتوحة لنعيد صياغة أرواحنا لتكون أكثر اتساعاً ومحبة. هو تذكير بأن نور الله يتجلّى فينا حين نكون عوناً للمكلوم في غزة والمنكوب في السودان، وحين ندرك أننا جميعاً عيال الله وأحبّنا إليه أنفعنا لعياله. لنعبر هذا الجسر بروح ممتنة، واضعين نصب أعيننا أن الزمن وعاء للأعمال، وأن أجمل ما نملأ به هذا الوعاء هو الحب، والعدل، والإحسان.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان