بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 كانون الثاني 2026 12:00ص محمد مهدي شمس الدين للشيعة: اندمجوا في دولكم 2/2

حجم الخط
نشرت «الشرق الأوسط»، نصاً مطوّلاً هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وللنص أهمية بالغة؛ كونه يتناول وضع الشيعة في بلدانهم وضرورة اندماجهم فيها، عوض أن يكونوا جزءاً من مشروع تابع لإيران. وكما هو معروف، همّش مؤيدون لـ«حزب الله» وحركة «أمل» الشيخ شمس الدين على مدى سنوات طويلة، علماً أنه تهجّر من حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت وأقام خارجها بسبب مواقفه التي تعارضت مع مواقف مؤيدي إيران في لبنان.

العلاقة مع الأنظمة

وردّاً على سؤال عن الود الذي يظهر خلال زياراته المتكررة لدول عربية، وهل «من المصلحة عدم التصعيد ومعالجة العلاقة مع هذه الأنظمة بالتي هي أحسن»، أجاب شمس الدين:
الحكاية عن ودّ، هؤلاء يُودّون. أنا أستحق الودّ وهم يستحقونه. ناس مسلمون طيّبون يُودّون، لماذا لا يُودون؟ أهل مصر أو أهل السعودية أو أهل الخليج أو الهند أو باكستان. نحن نزور الناس، نزور الكل، نزور الأنظمة ونزور الشعوب. أنا في مصر وفي السعودية وفي الخليج ما كنت محصوراً. في مصر التقيت مع المعارضة ومع الموالاة، مع حزب الوسط الذي هو ضد الدولة. علناً التقينا وخطبت فيهم وحاورتهم وكتبوا عني؛ التيار الإسلامي جلست معه وحاورته وحاورني وأحبني.
حكاية ودّ... أولاً ليس الودّ أمراً مستنكراً. ثانياً، الودّ لا يعني العشق والغرام. يوجد بيننا قضايا جامعة: القضية الإسلامية العامة وقضية المشروع الصهيوني. هاتان القضيتان الكبيرتان وما في داخلهما من تفاصيل... يوجد فهم مشترك (مع من أزورهم) في كثير من الحالات. حينما يتَّفق اثنان بالرأي ينسجمان بالتأكيد. تُرى لو أن غيري ذهب، هل كان يستقبل بالشتائم؟ أيضاً يُستقبل بالود. كلمة «الودّ» في سؤالكم هي كلمة مزروعة، ومَنْ زرعها يبني عليها!
(...) العقدة النفسية الموجودة عند الشيعي أنه منبوذ، سببها أنه هو نابذ. سؤالكم يعكس القلق الشيعي العميق والذي هو نتيجة سوء تربية، سوء تنشئة (أخبرتنا/أشربتْنا) أن العالم ضدنا... كلا، العالم ليس ضدنا! نحن ضد العالم! إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة من أن يكونوا ضد العالم. العالم بمقدارٍ ما هو ضدهم بلا ريب، كما أنه ضدُّ بعضه بعضاً أيضاً.
الآن الجزائر ليس فيها شيعة وهي تتذابح، يعني مبدأ التدافع الاجتماعي، التدافع التكويني داخل المجتمعات هو حقيقة قرآنية قائمة في الخلق وفي التكوين. الآن السودانيون يتحاربون إلى حد القتل وليس فيهم شيعة وسنة: ختمية مع ختمية ويتذابحون. فوجود حالة نبذ ووجود حالة دفع ضد الشيعة موجودة، ولكن العلة الأساسية هي أن الشيعة في موقفهم التاريخي - وهو موقف في جذوره مبرر ولكن في امتداداته الآن غير مبرر – يعتبرون أنفسهم ضحيَّة مؤامرة، ويعيشون جو المؤامرة... أن العالم يريد أن يذبحنا، العالم يريد أن يأخذ حقوقنا، العالم يريد أن يغير عقيدتنا! وهذا الوضع طبعاً يخلق حالات استهداف عند الآخرين.
بعض القيادات الشيعية، خاصة بعد نشوء الحالة الحركية الإسلامية داخل الشيعة، صارت تستغل هذا الوضع استغلالاً خالياً من أي ورع، وخالياً من أي أخلاق. صارت تغذي هذا لأجل أن تُمحور حولَ نفسها، لأجل أن تستقطب، ووُجدت هذه الحالة... وإلّا فالدنيا بخير. يعني أنت حينما لا تحمل مشروعاً يخيف الآخرين، حينما لا تهدد نظام مصالح الآخرين بنظام مصالحك الخاص، قليل (من الناس) يقف في وجهك. داخل التسنن توجد تناقضات وداخل التشيع أيضاً توجد تناقضات.
الآن أذكر النموذج العراقي الذي وصل إلى حد التذابح بين حزب الدعوة وغيره من الشيعة. طبعاً ما صاروا شاطرين مثل اللبنانيين بين «أمل» و«حزب الله» (الإشارة هنا إلى ما سُمّي «حرب الأخوة» بين «أمل» و«حزب الله»، في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي). هؤلاء شيعة وشيعة، مثل الأفغان أو السودانيين أو الجزائريين الذين هم سنّة وسنّة.
عندي قضية يا أولادي، أنا عندي دماؤكم وأعراضكم وحريتكم وكرامتكم. يهمني أن الشيعي حينما يكون في وطن - ولا يمثل نظام غلبة - أن يكون مقبولاً، أو حينما يروح لا يكون مثل الوباء الذي يُتوقى منه. أنا أريد أن أخلق حالة ثقة وعلاقة نقية بين الناس وبين الشيعة... وما عندي شيء أتكلم به سراً. أنا كل كلامي الذي أقوله وراء الأبواب المغلقة هو الذي تعرفونه في الميكرفون. أنا أقول: اندمجوا في دولكم، اندمجوا في شعوبكم، اندمجوا في أنظمة مصالحكم، لا تنشئوا نظام مصالح خاصاً، لا تثيروا ريبة الآخرين، احترموا قوانينكم.
هذا الأمر أنا أقوله وأقوله عن قناعة فقهية. أنا أُحرّم الغِيلة وأحرم الغُلول (السرقة الخفية من المال العام)، يعني ما يقال بأنَّ أموال الدولة حلال (أن تُسرق)، لا!.. أنا أقول بأنَّ أموال الدولة حرام أن تُسرق. دولة سنيّة أو دولة شيعية هما عندي متل بعض...
هذه رسالتي؛ رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة، وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم، لا لأنهم يمثلون (محمية) لدولةٍ أخرى، يعني أن أكون مقبولاً لأن إيران تحميني! هذه أنا لا أريدها. أنا (هنا في لبنان) صيرورة تاريخية موجودة منذ عهد الرسول - سلام الله عليه - وسأبقى إلى عهد ظهور الإمام المهدي. أنا أحمل جنسية بلدٍ معيَّن وأريد أن أكون مقبولاً لذاتي، لأني مقبول في محيطي وفي مجتمعي، لا لأني أمثّل حالة سياسية تنشر الرعب ويُجامِلُها الآخرون، كما هو الحال الآن، كما تحاول بعض الجهات أن تخلق هذه الحالة... «أنه نحن نخوّف»...! أُخْبرِتُ أنَّ بعض هؤلاء يقول لمخالفيهم والآخرين: «انتبهوا!.. نحنُ (الحزب الفلاني)، وإذا عملتم معنا شيئاً (لا نرضاه) هنا، نطالُكم في أمكنةِ أخرى!».
هذا النوع من الكلام أعلم أنه قيل وليس أنه يمكن أن يقال، وأخبركم أنه قيل؛ قيل في أوروبا وقيل في الشرق العربي وقيل في آسيا؛ هذا كلام قيل... كأن يُقبض على أحدهم بعملية تهريب ممنوعات، أو تزوير وثيقة في بلدٍ ما، فيهدِّدُ بأنه من الحزب الشيعي الفلاني، وأنَّ حزبَه سيؤذيهم في أماكن أخرى إذا لم يطلقوا سراحه!... وفي أحيانٍ كثيرة ينال ما أراد. لكن من يتحمَّل عواقب مثل هذا السلوك؟ يتحملها هذا الجسم المبارك، (الناس الصالحون) هذه الصفوة التي هي صفوة الإسلام هي تتحملها. نعم يتغاضون عن فعله... ولكن يُبنى على هذا ما يبنى؛ لأن أنظمة المصالح أيضاً تدافع عن نفسها، ولا أحد يستسلم.
الآن هدفي وتكليفي الشرعي بكل علنية وبكل وضوح، هو أن أجعل الشيعة مقبولين في العالم الإسلامي، مقبولين كما هم في تربتهم (سجدة الصلاة) وسبحتهم وأساليبهم، من طريقة موالاتهم لأهل البيت - وموالاة أهل البيت أمر شائع في المسلمين جميعاً - يعني تمذهبهم الخاص، كما هم. أنا وظيفتي أنْ أجعلهم مقبولين مكرمين مثل غيرهم.
موضوع جعل الشيعة حالة متمايزة داخل الإسلام، كما يحاولون هم والذين يستغلونهم بحسن نيّة أو بسوء نيّة، وأيضاً الاستشراق الأجنبي، هذا أمرٌ غيرُ صحيح وغير سليم. مثلاً، تُعقد مؤتمرات إسلامية عامة، و(لكن) تعقد مؤتمرات لخصوص الشيعة بعينهم كأنهم مخلوق فيه شذوذ معين! أنا أرى أن تكليفي الشرعي - وهذا موجب فقهي وعلمي – هو أنْ (أُخرج) الشيعة من (هذا المأزق)... والحمد للّه أفلحت بنسبة كبيرة.

«أخطاء الحركة الإسلامية»

وردّاً على سؤال عن «التصدي لأخطاء الأنظمة» كونه تحدث عن «أخطاء الحركات الإسلامية»، أجاب:
أنا وأمثالي نتصدّى لأخطاء الأنظمة... الحركة الإسلامية ليست حركة واحدة. أنا استخدمت تعبير «الحركة الإسلامية العالمية»، ولكن نقول هذا الكلام من أجل كرامتنا، يعني لكي نحفظ كرامتنا... وإلا ليس هناك حركة إسلامية عالمية بمعنى الكلمة. توجد حركات إقليمية وتوجد حركات داخل الإسلام السنّي إذا صح التعبير، وتوجد حركات داخل الإسلام الشيعي إذا صح التعبير أيضاً. توجد أخطاء نعم، أخطاء وأخطاء مألوفة، لكن موجعة، وأخطاؤها أثّرت على الشيعة غير الحركيين وغير الحزبيين.
مثلاً، أنا معني الآن بالوضع الجزائري. سمِعتموني أدعو إلى مؤتمر فقهي ينظر في أسلوب الحركيَّةَ الإسلامية. لعله أيضاً ليس كل الذبح الذي نسمع به هو من صنع الإسلاميين الجزائريين، وأنا أعرف فيهم أناساً يُستسقى بهم الغمام، رجالاً ونساءً. يجوز أنَّ بعض جيوب المخابرات الأجنبية تقوم بهذه الجرائم حتى تعطي هذا الانطباع. لكن لا ريب في وجود عقلية دم، عقلية قتل، يعني عقلية الشُراة (فرقة قديمة من فرق الخوارج)، أي عقلية الخوارج. عند الشيعة أيضاً هي موجودة، وأنتم «عملتم اللازم»، يعني أنكم هنا في لبنان قتلتم بعضكم بعضاً، وكنتم صائمين أيضاً! (في إشارة إلى الحرب بين «أمل» و«حزب الله»، والتي ابتدأت في شهر رمضان).
(...) «حزب الله» حاربنا لأننا ما ناصرناه، وحركة «أمل» حاربتنا لأننا لم نناصرها. أرجو ألا تدخل المسألة في باب المفاكهة. يوجد شيء حقيقي وعميق. أنا الحمد الله ألقى الله سبحانه وتعالى وليس في ذمتي وفي سجلي قطرة دم من دمائكم. أرادونا على شيء، ووقانا الله منه من الطرفين.
«قصدي أنكم وقعتم فيما وقع فيه غيركم. في العراق حدث ذلك، الآن في أفغانستان مذابح مركّبة: شيعة وشيعة، سنّة وشيعة، سنّة وسنّة (...)
توجد أخطاء ونحن ننتقدها، الله يعلم والحركات ذات العلاقة تعلم، والأفغانيون يعرفون والجزائريون يعرفون إلى حد، وكذلك السودانيون، يعرفون أنه بالسر نحكي معهم كثيراً. والأنظمة أيضاً تخطئ، ونحن ننتقد الأنظمة بالأسلوب نفسه الذي ننتقد به الحركات الإسلامية أو غير الإسلامية. الحركة القومية يقال عنها الكلام ذاته. غاية الأمر الآن أنَّ الذي يملك الطاقة والقدرة على التأثير والتغيير هي الأنظمة.
الأنظمة على قسمين: قسم يمكن أن يوظَّف في المشروع العام للأمة؛ المشروع العام للأمة الآن هو مشروع ممانعة وليس مشروع انتصار: هو مشروع احتفاظ بالذات، بعد ذلك الله سبحانه وتعالى هو يعلم متى سيكون التغيير. لعل بعضكم سمعني في الماضي أقول: دعونا نكف عن المحاربة بأسلوب العدو، ونبني ذاتنا وننتظر؛ نقول للغرب نحن لا نريد أن نحارب إسرائيل ولكن لا نريد أن نصالح إسرائيل. نحن ننمو على وضعنا وهم ينمون على وضعهم.
هذا الموضوع في الماضي كان موجوداً، والآن ما زال موجوداً. الذي أضعف الممانعة هو حرب الخليج الأولى والثانية. حرب العراق ضد إيران وضد الكويت أضعفت الأمة العربية إضعافاً تعرفونه جميعاً، بحيث إن قدرة الممانعة أمام الأغيار أصبحت جداً محدودة وضعيفة، وبقيت بقية من الأنظمة التي لا تزال قادرةً على التَّماسُك. هذه (الأنظمة) تحتاج إلى دعم، وتحتاج إلى تشجيع لأجل أن تبقى في هذا الموقف. ألا تخطئ؟ هي تخطئ، نحن نخطئ؛ لكن لا أستطيع محاسبة حسني مبارك على غلطة أنور السادات. تُرى هل مشى معها أم لا؟ لا أدري؛ لكن أنا أمامي الآن رجل وعنده مجموعة يحاولون أن يقوموا بدور ممانعة... أنا أدعمهم وأعمل أي شيء يمكننا أن نطور أي ذرة من ذرات التماسك في البنية العامة. أنا أنظر إلى المسألة بصورة كلية، ولا أنظر إلى غلطةٍ ضدَّ هذا أو ضِدَّ ذاك - وأقول: الآن المواجهة مع حكومة نتنياهو هي أن نعزله، هي أن نجعله يتراجع، هي أن نجعل حكومته تستقيل. هذه تحتاج إلى دعم ولا تأتي عن طريق الشتائم.
هذا الأمر يناقضه ماذا؟ يناقضه عقلية «الشُراة»، عقلية أن كل شيء يجب أن يُضرب، العقلية التدميرية التي هي غالباً موجودة وموروثة داخل قسم من الشيعة منذ القدم. هذا من قبيل أنه إذا أفطر شخص في شهر رمضان يصيحون فيه: لقد كفر! عمّي... الله فتح باب التوبة. لا، أنت كفرت! هذه الحالة موجودة وتعرفونها؛ أنا استعملت مرة تعبير «مسلمين أكثر من النبي»! هؤلاء هم.
نحن نعيش تارةً حالة الأبيض والأسود، حالة «الولاية والبراءة». كلامكم عن الأنظمة يعني أنه يجب أن نتبرأ منها وأنها كلها يجب أن نرجمها بالحجارة! هذه الحالة قلما تمر في التاريخ، هذه في علاقات الأفراد تمر، والتولّي والتبرّي يكون في علاقات الأفراد. يعني إذا كان زيد فاسداً أنا أرتب عليه حكم الفساد، وإذا كان عادلاً أرتب عليه حكم العدالة؛ وحتى هذه نحن مأمورون فيها بالمداراة. يوجد أخبار صحيحة عن أئمتنا سلام الله عليهم تقول: نصف أو ثلث الدين هو المداراة (...) حالة الحدّية هذه ليست من الشرع، هذه نزعةٌ خلقتها الحالة الحزبية، الحالة التي فيها قطب مُعيّن يعرف أن الخيارات إذا تعددت أمام إنسان يصبح لديه أكثر من قطب، ويصبح هذا الإنسان مُخَيَّراً بين اثنين أو ثلاثة، فيصلّي جماعة في مكانين، يسمع موعظتين، يوزع فلوسه بين شخصين. لكن لهدف أن يُمْسَك رسنه (ذاك الإنسان) مسكاً كاملاً، يجب أن يتحطم (جميع الأقطاب أو المراجع الآخرين). تنشأ هذه الحالة التي أنتم تعيشونها وتطرحون أسئلتكم من خلالها. هذه ليست من الشرع في شيء وليست من الإسلام في شيء.
أقول:
 اندمجوا في دولكم... اندمجوا في شعوبكم... اندمجوا في أنظمة مصالحكم... لا تنشئوا نظام مصالح خاصاً... لا تثيروا ريبة الآخرين... احترموا قوانينكم.
رسالتي أن أجعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة... وأريدهم أن يكونوا مقبولين لذاتهم لا لأنهم يمثلون «محمية» لدولةٍ أخرى... يعني أن أكون مقبولاً لأن إيران تحميني!
العقدة النفسية الموجودة عند الشيعي أنه منبوذ سببها أنه هو نابذ (...) العالم ليس ضدنا! نحن ضد العالم! إحدى مهمات رسالتي هي إخراج الشيعة من أن يكونوا ضد العالم.

محمد مهدي شمس الدين
أخبار ذات صلة