في عالم يشهد تطوراً رقميًّا هائلاً، أصبحت الألعاب الإلكترونية وسيلة ترفيهية واسعة الانتشار بين فئات عمرية متعددة، وخصوصاً الأطفال والمراهقين. ورغم أن هذه الألعاب -في أحد جوانبها- توفر متعة، وتفاعلاً اجتماعيًّا، فمن ناحية أخرى استغلتها بعض التنظيمات المتطرفة أداةً خفية لتجنيد الأطفال، وبثّ أفكارها المتطرفة. هذه الظاهرة الخطيرة تسلّط الضوء على جانب مظلم من عالم الألعاب الرقمية يتطلب وعياً مجتمعيًّا ورقابة فعّالة من الأسرة والمؤسسات التعليمية والأمنية.
وأكد مرصد الأزهر في تقرير له أنه في ظل الثورة الرقمية التي نعيشها اليوم، تحوَّلت الألعاب الإلكترونية من مجرد وسيلة للترفيه إلى صناعة عالمية عملاقة تضم أكثر من 900 مليون لاعب، وتحقق إيرادات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًّا، وفقًا لإحصائيات المفوضية الأوروبية. ورغم الجوانب الإيجابية لهذا القطاع، برزت في السنوات الأخيرة مخاوف حقيقية من استغلال هذه البيئة التفاعلية في نشر الأفكار المتطرفة والتجنيد للعنف، خصوصاً بين فئات الشباب والأطفال.
مسرح لاستغلال التنظيمات المتطرفة
وفي هذا الإطار، أظهرت دراسة أوروبية أن التنظيمات المتطرفة باتت تستخدم الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الخاصة بها كأدوات فعّالة لترويج أفكارها، حيث يتم تصميم ألعاب ذات محتوى متطرف، في الغالب ذات طابع يميني متطرف، أو يتم اختراق منصات الألعاب الكبرى لتمرير رسائل الكراهية والتجنيد. الخطير في الأمر أن هذه الألعاب لا تقدّم سيناريوهات خيالية فقط، بل تزرع مفاهيم مشوّهة تصوّر فئات معينة كأعداء يجب القضاء عليهم، سواء كانوا من الأقليات أو المسلمين أو اللاجئين. وهذا النوع من المحتوى لا يكتفي بزرع الكراهية، بل يُطبّع العنف في أذهان الأطفال والمراهقين، ويجعله يبدو وكأنه تصرف بطولي، أو «جزء من اللعبة».
ووفقاً لـ«دانييلا بيسوي»، مديرة مركز SCENOR في النمسا، فإن الألعاب المتطرفة لا تكتفي بزرع الكراهية، بل تُسهم في تطبيع فكرة العنف وتحويله إلى سلوك مقبول، بل وحتى بطولي في بعض الأحيان. والأخطر من ذلك، أن هذه التنظيمات المتطرفة باتت تستهدف الفئات العمرية الأصغر سنًّا، حيث سُجّلت حالات لتجنيد أطفال في سن 12 عاماً على يد أقرانهم. هذه الديناميكية الجديدة تُحتم علينا النظر إلى التطرف بوصفه ظاهرة تتغلغل في عقول الأطفال والمراهقين، وليس فقط الكبار.
من جهتها، تؤكد الشركات الأوروبية الرائدة في صناعة الألعاب أنها تدرك خطورة هذه الظاهرة، وتسعى لبناء مجتمعات رقمية آمنة. يقول «ياري بيكا كاليڤا»، المدير التنفيذي لاتحاد مطوري الألعاب الأوروبيين: «إن هناك جهوداً مستمرة لتطوير أدوات ومنهجيات لمكافحة الألعاب السامة، وتعزيز ثقافة اللعب النظيف». كما يدعو إلى تحقيق توازن ضروري بين حرية الإبداع الفني وضرورة التصدّي لما يُعرف بـ«ألعاب الكراهية». وتبذل اتحادات مطوري الألعاب الأوروبية جهودًا كبيرة لضمان وجود بيئات آمنة وغير سامة، من خلال تطوير أدوات للمراقبة والإبلاغ، وتوظيف مشرفين رقميين لإدارة المجتمعات الافتراضية.
وقد تضمنت فعالية نُظمت في أثينا ضمن مشروع GEMS الأوروبي طرح ابتكارات جديدة في هذا المجال من بينها أداة «Watchtower»، وهي أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد الأنشطة المتطرفة ومنعها داخل بيئات الألعاب الإلكترونية. ويُظهر هذا النموذج كيف يمكن للتكنولوجيا أن تكون جزءاً من الحل، إذا ما تم استخدامها بشكل مسؤول وفعَّال.
توصيات لتعزيز السلامة والأمن
ومن المهم في هذا السياق عرض بعض التوصيات التي تسهم في تعزيز السلامة والأمن:
فعلى المستوى الأسري، لا بد من توعية الأهل بأهمية متابعة الأطفال في أثناء ممارستهم الألعاب وعدم تركهم فريسة للمحتالين، وتعزيز الحماية على جميع الأجهزة التي يتعرض لها الأطفال. كما ينبغي على الأهل أن يتحدثوا مع أطفالهم بصدق ووعي حول مخاطر الإنترنت، وتدريبهم على التعرّف على السلوكيات المريبة أو الخطاب المتطرف؛ إذ إن المسؤولية مشتركة بين العديد من الأطراف.
وعلى المستوى المؤسسي والتنظيمي، ينبغي تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص من أجل مكافحة المحتوى المتطرف، وتطوير أدوات رقابة ذكية قادرة على رصد السياقات المعقّدة داخل الألعاب. وعلى شركات تطوير الألعاب أن تتحمّل مسؤولياتها الاجتماعية أيضاً عبر تحسين أنظمة الإبلاغ عن السلوكيات المشبوهة، وتعزيز أدوات السلامة الرقمية، وخاصة في الألعاب التي تستهدف جمهوراً صغير السن.
وعلى مستوى وزارات التعليم، ينبغي العمل على دمج مقررات للتربية الإعلامية الرقمية في المناهج المدرسية. كما يمكن للمدارس أن تقوم بدور مهم في هذا السياق من خلال تعزيز الأنشطة المدرسية التي تُكسب الطلاب الكثير من المهارات التي تسهم في تعزيز مناعتهم ضد المخاطر المادية والسيبرانية.
وختاماً، نؤكد أن التطرف في مجال الألعاب الإلكترونية ليس خيالاً علميًّا أو خطراً مستقبليًّا فحسب، بل واقع وخطر متصاعد نعيشه في الوقت الراهن، وإذا لم يتم التصدّي له بوعي وتعاون على جميع المستويات؛ الأسرة والمجتمع والدولة، فقد نفقد المزيد من أبنائنا لصالح أفكار متطرفة تلبس قناع التسلية والمرح. فحماية الأطفال والمراهقين من التأثيرات المتطرفة يجب أن تبدأ من الوعي، وتستمر بالتنظيم، وتُدعم بالتكنولوجيا.