نشر مرصد الأزهر الدراسة التي أصدرها معهد أيان البحثي (Ayaan Institute) في تموز الماضي 2025م، والتي تقدّم أحدث البيانات الشاملة حول أوضاع المساجد في المملكة المتحدة من النواحي المادية والقانونية والموارد البشرية. وقد اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 1179 مسجداً خيريًّا مسجلاً، وهو ما يمثل 62.5% من إجمالي المساجد في المملكة المتحدة البالغ عددها 1884 مسجداً.
ويستعرض التقرير تحليلاً معمّقاً للمساجد البريطانية بين عامي 2020م و2023م، مع تسليط الضوء على الأدوار التي تقوم بها هذه المساجد وأبرز التحديات التي تواجهها.
بعض التصورات المغلوطة عن المساجد في المملكة المتحدة:
• خلافاً للتصورات الإعلامية وخطاب جماعات اليمين المتطرف، تُشكّل المساجد 4% فقط من إجمالي أماكن العبادة في المملكة المتحدة، في حين تمثل الكنائس 89% منها. ويُذكر أن المسلمين يشكّلون 6.5% من إجمالي سكان المملكة المتحدة، مما يعني أن عدد المساجد الحالي لا يتناسب مع حجم المجتمع المسلم، بل يقلّ عن النسبة المطلوبة. وهذه الأرقام تكشف الفجوة بين الواقع والتصورات المغلوطة حول انتشار المساجد في بريطانيا.
• تُكذّب الأرقام الواردة في التقرير خرافة «السيطرة الإسلامية» أو «استيلاء المساجد» على بريطانيا؛ إذ تدحض البيانات المذكورة آنفاً تلك الخرافة، فهذه النسبة الضئيلة من المساجد تُثبت أن الادّعاءات بوجود «غزو ديموغرافي» أو «هيمنة إسلامية» لا تستند إلى أي أساس واقعي، بل هي جزء من خطاب تحريضي لا يعكس الحقائق الإحصائية.
• يدحض التقرير أيضاً خرافة «التمويل العام» والادّعاءات الكاذبة حول تمويل الحكومة أو المجالس المحلية للمساجد بشكل رئيسي، ففي عام 2023م، لم تتلقَّ المساجد سوى 5 ملايين جنيه إسترليني فقط أي ما يعادل 2% من إجمالي مواردها البالغة 271 مليون جنيه إسترليني على شكل منح أو خدمات تعاقدية. والحقيقة تثبت أن المجتمع المسلم هو العمود الفقري لتمويل المساجد، حيث تأسست المساجد وتم بناؤها بتمويل ذاتي من الجالية المسلمة في بريطانيا. ويتم تغطية تكاليف التشغيل والصيانة بجهود وتبرعات المجتمع المسلم، وليس عبر الدعم الحكومي المزعوم. فدلالات الأرقام السابقة تثبت أن المساجد «مشاريع مجتمعية مستقلة»، وليست مؤسسات مموّلة من الدولة. وهكذا يبدو أن الخطاب السياسي المُشكك في «استفادة المساجد من المال العام» يفتقر إلى الأدلة، ويعكس جهلاً بالواقع المالي لهذه المؤسسات. كما تكشف هذه الأرقام الفجوة الكبيرة بين الادّعاءات الشائعة، والوقائع الملموسة، وتؤكد أن المساجد تعتمد في بقائها على «التضحية المالية لأفراد المجتمع المسلم»، لا على دافعي الضرائب كما يُروّج البعض.
النطاق والهيكل التنظيمي للمساجد في المملكة المتحدة:
إن أدق تقدير حالي لعدد المساجد في المملكة المتحدة هو 1884 (كل المساجد)؛ مسجل منها 1179 على أنها جمعيات خيرية تضم عدد 6337 أميناً في مجالس الأمناء و2814 موظفاً و11269 متطوعاً. ومعظم هذه المساجد صغيرة في الحجم، وترأسها مؤسسات تطوعية؛ والقليل منها فقط تدفع للإدارة المهنية وأطقم العمل (86% من العمالة في المساجد الخيرية متطوعون). وهكذا توضح هذه الأرقام أن قطاع المساجد في المملكة المتحدة يعتمد بالدرجة الأولى على جهود المتطوعين والتبرعات الذاتية، مع محدودية البنية التحتية المهنية، مما يبرز التحديات التنظيمية والمالية التي تواجهها.
الاتجاهات المالية للمساجد في المدة من 2020م إلى 2023م:
• إجمالي إيرادات المساجد الخيرية عام 2023م هو 271 مليون إسترليني.
• إجمالي مصروفات المساجد الخيرية عام 2023م هو 210 مليون إسترليني.
• الإيرادات السنوية المتوقعة لجميع المساجد: 450 مليون إسترليني (حوالي نصف مليار إسترليني).
• المصروفات المتوقعة لجميع المساجد: 343 مليون إسترليني.
• التمويل الحكومي للمساجد الخيرية في عام 2023م: أقل من 2% (4.98 مليون إسترليني) من إجمالي إيرادات المساجد، وغالبية التمويل يأتي من التبرعات.
الأنشطة والخدمات التي تقدّمها المساجد
• الخدمات الأساسية: الصلوات اليومية، وتعليم الأطفال، وخدمات الجنائز والزواج.
• الخدمات المتقدمة (تقدمها المساجد الكبيرة): برامج الشباب، والإدماج المجتمعي، وحوار الأديان، وبرامج دعم اللاجئين، وبنوك الطعام وتقديم الاستشارات والفتاوى وحملات التوعية العامة.
• بعض المساجد الكبيرة أيضاً تتعاقد على تقديم خدمات عامة أو تستضيف فعاليات وطنية أو تقدم مساعدات إنسانية في الخارج، وبعضها يدير مؤسسات تعليمية.
أكبر المساجد في المملكة المتحدة بحسب الإيرادات:
• مسجد فيضان المدينة (Faizan-e-Madina)، ومقره الرئيس في برادفورد، وتبلغ إيراداته 16.96 مليون إسترليني.
• مسجد البعثة الإسلامية في المملكة المتحدة (United Kingdom Islamic Mission)، ومقره الرئيس في لندن، وتبلغ إيراداته 13.56 مليون إسترليني.
أكبر المساجد بحسب القوى العاملة فيها:
• مسجد فيضان المدينة (Faizan-e-Madina) في برادفورد يضم 60 موظفاً.
• مسجد شرق لندن (East London Mosque) يضم 142 موظفاً، و150 متطوعاً.
التحدّيات الرئيسة التي تواجه المساجد في المملكة المتحدة:
• الاعتماد الكبير على الأمناء والمتطوعين الذين لا يتلقون أجوراً.
• التباين الكبير بين المساجد ذات التمويل الجيد والمساجد المحلية الصغيرة.
• محدودية أطقم العمل المهنية: تفتقر العديد من المساجد إلى الكفاءة المطلوبة للتنمية المستدامة للمجتمعات.
• المخاطر المتزايدة من جماعات اليمين المتطرف والجماعات القومية والدعايا التي تبثّها تلك الجماعات.
وختاماً، لقد نجح المجتمع المسلم في المملكة المتحدة في تأسيس بنية هيكلية قوية، رغم ضعف الإمكانيات وقلّة أعداد المساجد، مع وجود بعض المؤسسات التي توفر الجهود التطوعية الكبيرة وسخاء المجتمع في العطاء والتبرع لتلك المؤسسات. ومع ذلك، فهناك تأخّر في الاستثمار في الأشخاص وتوجيه مزيد من الاهتمام بهم قبل الاهتمام بالمباني والمنشآت.
ولا بد من تركيز الأولوية في العِقد القادم على هذا الأمر من خلال الاستثمار في البشر، وتفعيل دور المؤسسية، والتأهيل المهني، وتنمية المهارات، وتطوير الموارد البشرية المدربة، لا سيما الأئمة، والمديرين، والمعلمين. وينبغي كذلك تفعيل الشفافية، والحوكمة، وإدماج المجتمع، وتشجيع التعاون بين المساجد؛ لمجابهة التحديات المشتركة.
ويرى مرصد الأزهر ضرورة وضع رؤية مستقبلية واضحة ومستدامة في مساجد المملكة المتحدة، تعتمد بشكل رئيس على الاستثمار في الرأسمال البشري، وتفعيل برامج تأهيل متخصصة للأئمة والمعلمين، وتطوير مهارات الإدارة الحديثة، مع مراعاة تعزيز الحوكمة؛ من خلال تبنّي معايير الشفافية المالية، وإنشاء أنظمة تقييم أداء، وتفعيل آليات المساءلة، فضلاً عن تعزيز التكامل المجتمعي من خلال التعاون بين المساجد، وإنشاء منصات تشارك المعرفة، وتطوير شراكات مع المؤسسات الأكاديمية والمدنية.
ولا شك أن المجتمع المسلم في المملكة يحظى بفرصة تاريخية لتحويل المساجد من مجرد أماكن عبادة إلى مراكز إشعاع حضاري، عبر موازنة الاهتمام بين الحجر والبشر. والنجاح في هذه المعادلة سيمكّن المساجد من لعب دور محوري في صياغة مستقبل الإسلام في المملكة المتحدة، مع الحفاظ على الهوية ومواكبة متطلبات العصر.