بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 كانون الثاني 2025 12:00ص مفتي مصر يؤكّد: حين تخلّت المرأة عن التعليم تخلّفت الأمّة بأسرها

حجم الخط
قال الدكتور نظير محمد عيّاد مفتي مصر، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، في بداية كلمته في «جلسة العلماء» على هامش مشاركته في أعمال المؤتمر العالمي: «تعليم الفتيات في المجتمعات المسلمة: التحدّيات والفرص»، الذي اختتم أعماله في العاصمة الباكستانية «إسلام أباد» يوم الأحد، قال إن هذا المؤتمر يُعدُّ جزءاً من النضال الفكري المتجدد نحو تحرير المرأة المسلمة من الأفكار والمفاهيم المغلوطة التي تثار حولها، ويُعدُّ كذلك امتدادا طبيعيا لحركة التجديد الفقهي والفكري التي ابتدأها شيوخنا وعلماؤنا في العصر الحديث، وحمل لوائها وناضلت من أجلها المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية بجمهورية مصر العربية.
وأكد في كلمته أن الشريعة الإسلامية قد سبقت كل الشرائع في تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، إلّا في بعض الأمور اليسيرة التي تتناسب وطبيعة الرجال فقط؛ فقد أعلن الإسلام حريتها واستقلاليتها يوم كانت في حضيض الانحطاط في الجاهلية، ومنحها حقوقها الإنسانية بشكل كامل غير منقوص، وقرّر لها كفاءةً شرعيةً لا تنقص عن كفاءة الرجل في جميع الأحوال المدنية.

الإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة بعين المساواة الحقيقية

وقال عيّاد: إن الإسلام قد نظر إلى الرجل والمرأة بعين المساواة الحقيقية وليست الشكلية أو الصورية، وهذه المساواة تعود بالمجتمع إلى الفطرة السليمة التي فطر الخالق عزّ وجلّ الخلق عليها، وقد أجمل الإسلام هذه المساواة في قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228]، وإن أي فكر أو طرح ينتقص من هذه المساواة أو يختزلها في شكل صوري هو فكر دخيل على الإسلام، والإسلام منه براء مهما كان المتحدث به أو المقرر له، مؤكدا على أن الإسلام عندما حثّ المسلمين على طلب العلم والتعلّم، لم يوجه حديثه نحو الرجال دون النساء، ولم يفضّل بشكل صريح أو ضمني الرجال على النساء درجةً في هذا الباب، بل كان توجيه الإسلام للرجال والنساء على السواء في ضرورة التعلّم والاستزادة في العلم والمعرفة.
وأشار إلى أن الفهم المغلوط حول مسألة تعليم المرأة قد ظهر بسببين رئيسين:
الأول: مدى تأثير العادات والتقاليد والأعراف المجتمعية في الاجتهاد نحو استنباط بعض الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة، ثم تداول هذه الأقوال وتلك الاجتهادات من قبل بعض المقلدين والجامدين، وهؤلاء لم ينظروا بعمق أو وعي إلى أن هذه الاجتهادات كانت مبنيةً على واقع قد تغيّر، واستجابةً لمصالح قد تبدّلت، ومواءمةً لأحوال أسرية ومجتمعية قد تجاوزها التطور منذ قرون، مع تجاهل وجوب تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد.
وقال أن هذا الجمود، وتلك التقاليد البالية التي وضعها الناس ولم يضعها رب الناس، قد انحدرت بالوضع الثقافي والاجتماعي للمرأة، وهبطت بمستوى التربية، وعمّقت عملية التجهيل المتعمّد للمرأة والانتقاص الشديد من حقوقها.
والسبب الثاني: تداول أحاديث ضعيفة واردة في حق المرأة، والاعتماد عليها في استنباط بعض الأحكام الشرعية، خاصةً فيما يتعلق بعلاقتها مع المجتمع ومدى تفاعلها فيه.
وأبدى تعجّبه من هؤلاء الذين يعتمدون على هذه الأحاديث الضعيفة لإلغاء الآيات البيّنات المحكمات والسنن الثابتة الواضحات، مؤكدا أن هذه الأقوال مجرد كلام لا أصل له، بل هي أحاديث موضوعة تتعارض مع صريح القرآن الكريم والواقع التطبيقي للنبي صلى االله عليه وسلم الذي كان يكرّم المرأة، ويحثّها على التعلّم والارتقاء.
ولفت فضيلته النظر إلى حقيقة جليّة مؤكدة بالنصوص الشرعية، وهي أن الإسلام قد اعتبر المرأة طاقةً فكريةً، وثقافيةً، وإنسانيةً، وتربويةً، توجب علينا استكشاف ما فيها من جوانب الخير والإبداع، وإشراكها في صناعة الحضارة الإنسانية الرشيدة.

تعلّم المرأة رفعة للمجتمع

وقال عيّاد: إن الواقع التاريخي يثبت أن المرأة حينما تخلّت عن التعليم، تخلّفت الأمة بأسرها، فإن الأمهات الجاهلات ينتجن أبناءً جاهلين خاملين، في حين أن تعليم المرأة وتنويرها هو السبيل إلى نهضة المجتمع بأكمله، كما أثبت التاريخ أيضاً أن أي إصلاح يهمل حقوق المرأة ليس بإصلاح حقيقي، ولم يكتب له النجاح أو الاستدامة.
وتابع: «لقد كانت المسلمات الأوائل مثالاً يحتذى به في التفاعل الإيجابي مع المجتمع: كن يصلين الصلوات الخمس في المسجد، من الفجر إلى العشاء. وكن يشاركن في معارك النصر والهزيمة. وكن يشهدن البيعات الكبرى. وكن يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر.
لقد كانت المرأة في الإسلام إنساناً مكتمل الحقوق المادية والأدبية، ولم تكن يوماً نفايةً اجتماعيةً كما يفهم المتطرفون الجاهلون.
فهل يعقل أن يكون الفكر الديني مع تجهيل المرأة، والإلحاد مع تعليمها؟ أي عقل هذا؟
وهل يعقل أن نجعل المرأة رهينة الجهل والقهر، في عصر الذرة والفضاء والذكاء الاصطناعي؟
إن الإسلام يدعو إلى التحرر من القيود البالية، والتنوير بالعلم، والارتقاء بالعقل، وهذا ما يجب أن يكون نصب أعيننا جميعاً».
وفي ختام كلمته، أكد مفتي مصر أننا نتطلّع بكل جدٍّ وإخلاص إلى التعاون الجاد نحو تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تثار حول قضايا المرأة وإشكالياتها المعاصرة، ونجدّد دعمنا الكامل لجميع الرؤى والمبادرات القيّمة التي ستنبثق عن هذا المؤتمر الكريم، ساعين بإذن الله لتحقيق تطلّعاتنا المشتركة في بناء مجتمع متكامل ينعم فيه الجميع بالعدل والمساواة.
أخبار ذات صلة