ليلة النصف من شعبان لعام 1447هـ. هذه الليلة التي لا يفصلنا عن شهر رمضان المبارك بعدها سوى خمسة عشر يوماً، ليست مجرد رقم عابر في التقويم الهجري، بل هي «بوابة زمنية» ضاربة في أعماق الذاكرة الجمعية للشعوب. إنها الليلة التي اختارت فيها الحضارة الإسلامية عبر العصور أن تخرج العبادة من صمت المحاريب وخشوع الزوايا إلى صخب الميادين وبهجة الموائد. في هذا الجزء الأول من ملفنا، نغوص في العصور الغابرة لنستعرض كيف تشكّلت ملامح هذه الليلة فقهياً وتاريخياً، وكيف أصبحت مسرحاً لاستعراض القوة تارة، وتكريس التكافل تارة أخرى.
• الجذور الفقهية والنشأة الشامية
تؤكد الوثائق التاريخية العتيقة، وعلى رأسها ما أورده الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه العمدة «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف»، أن تعظيم ليلة النصف لم يكن يأخذ طابعاً جماعياً في الصدر الأول للإسلام في المدينة المنورة، بل كانت الليلة تُقضى في عبادات فردية خالصة.
إلّا أن التحوّل الحقيقي بدأ في بلاد الشام خلال القرن الأول الهجري. ويروي المؤرخون أن كبار التابعين من أهل الشام، وعلى رأسهم خالد بن معدان ولقمان بن عامر ومكحول الدمشقي، هم أول من أخرجوا هذه الليلة من إطارها المنزلي الضيق إلى فضاء المسجد الرحب. لم يكن اجتهادهم قاصراً على تلاوة القرآن والصلاة فحسب، بل استحدثوا ما يمكن تسميته بـ«البروتوكول الجمالي للعبادة»؛ فكانوا يلبسون أفخر ما لديهم من ثياب، ويتطيّبون بأغلى أنواع البخور (الند والعود)، ويكتحلون بالمرود. هذا المسلك الدمشقي كان بمثابة «الإعلان الشعبي» الأول عن قدسية الليلة، مما جعل الناس يربطون وجدانياً بين التقرّب إلى الخالق وإظهار الزينة والفرح في الأرض.
• العصر الفاطمي: «دولة الأنوار» واقتصاد السكر
عندما استقرّ الحكم للدولة الفاطمية في مصر، دخلت ليلة النصف مرحلة جديدة من «التسييس الجمالي». فقد وظّف الخلفاء الفاطميون هذه الليلة كأداة من أدوات الشرعية السياسية عبر «الإبهار البصري» فيما عُرف بـ «ليلة الوقود».
يروي المؤرخ المقريزي في «الخطط» تفاصيل مذهلة عن تلك الليالي؛ فكانت القاهرة تتحوّل إلى «كتلة من النار والضوء». كان الخليفة يخرج في موكب مهيب يطوف الشوارع من «باب الفتوح» حتى «باب زويلة»، وتتقدم الموكب «الشموع الموكبية» الضخمة المحمولة على عجلات. كانت مآذن الجامع الأزهر وجامع الحاكم بأمر لله تُضاء بكثافة لم تكن تُرى حتى في العيدين الكبيرين.
لكن العبقرية الفاطمية لم تتوقف عند الضوء، بل امتدت إلى «معدة الشعب»؛ حيث تم تأسيس «ديوان الحلوى». كان هذا الديوان مكلفاً بصناعة أطنان من الحلويات كـ «الخبيص» و«القطائف» المحشوة بالسكر واللوز، لتُوزع على العامة والفقراء وطلبة العلم. هنا نجد الجذور الأولى لما يعرف بـ «حلاوة المولد»، حيث ارتبطت المناسبات الدينية في عقل المواطن بطعم السكر، كرسالة من الحاكم بأن عهده هو عهد الحلاوة والرخاء.
• العصر المملوكي: هيبة القلعة وسحر «النفط»
مع وصول المماليك للسلطة، اتخذ الاحتفال بليلة النصف صبغة أكثر «عنفواناً» وجلالاً. يذكّر المؤرخ ابن إياس في «بدائع الزهور» أن السلاطين كانوا يشرفون بأنفسهم على الاحتفالات من فوق أسوار «قلعة الجبل».
في هذه الليلة، كانت تُستخدم «صناعة النفط» (وهي الصيغة البدائية للألعاب النارية والبارود) لإحداث مفرقعات وتشكيلات ضوئية في سماء القاهرة. كان هذا العرض يهدف لإرهاب الخصوم وإظهار قوة الدولة العسكرية، لكنه في الوقت ذاته كان يخلق جوّاً من الكرنفال الشعبي في الشوارع. وبجانب هذا الصخب، كان السلطان يمدّ «سماطاً» (مائدة) ملكياً يحضره القضاة الأربعة والعلماء، مع تخصيص مبالغ طائلة من الأوقاف لتوزيع الكساوي (الملابس) والأرزاق على الأيتام والأرامل، لضمان ألا يدخل أحد شهر رمضان وهو في حالة عوز أو ضيق.
• ليلة النصف في عيون الرحّالة
قدّم لنا الرحّالة الجوّالة «توثيقاً حيّاً» لما كان يجري خلف أسوار المدن في هذه الليلة المباركة:
- ابن جبير والحرم المكي: وصف الرحالة الأندلسي ليلة النصف في مكة في القرن السادس الهجري كأنه يصف مشهداً أسطورياً. ذكر أن الحرم كان يُضاء بآلاف القناديل، وكان لكل إمام مذهب محرابه المزيّن بالشموع «القنطارية». ويؤكد أن أهل مكة كانوا يتسابقون في توزيع ماء زمزم المبرّد والمبخّر، مما حوّل الحرم إلى ساحة عالمية للتكافل الروحي والمادي.
- ابن بطوطة وألفة دمشق: رصد ابن بطوطة في دمشق وبغداد الجانب «المؤسسي» للخير؛ حيث تحدث عن وجود «أوقاف» مخصصة حصراً لشراء شموع وبخور ليلة النصف. هذا التوثيق يثبت أن ليلة النصف لم تكن مجرد عاطفة دينية عابرة، بل كانت محركاً اقتصادياً واجتماعياً منظماً يضمن تدفق الأموال من الأوقاف لتنشيط الأسواق وإطعام الجياع.
- يتبع: من أزقة بيروت إلى «حق الليلة».. العادات الشعبية في ليلة «المحيي»