بيروت - لبنان

اخر الأخبار

7 شباط 2026 12:21ص وهب الأعضاء... ثقافة حياة...

حجم الخط
العلّامة السيد علي فضل الله*

في البداية كلّ الشّكر والتّقدير للّذين أتاحوا لي الفرصة أن أكون بينكم أيّها الأعزّاء...
ويسرّني أن أتشارك مع سيادة المطران ميشال عون والبروفسور جورج جوفيليكيان ومعالي وزير الصّحة الدّكتور ركان ناصر الدّين في هذا اللّقاء الّذي يتم تحت رعايته لنعزّز معاً ثقافة هبة الإنسان لأعضائه سواء في حياته أو بعد أن يغادر الحياة، والعمل لإزالة الحواجز النّفسيّة أو الاجتماعيّة والدّينيّة الّتي لا تزال تقف عائقاً أمام توسعة دائرتها وذلك للدّور الّذي تسهم به في إنقاذ الكثيرين ممّن كانت حياتهم تتعرّض للخطر بدونها مستفيدين من التّطور الّذي وصل إليه الطّب على هذا الصّعيد...
ونحن نرى أنّ تعزيز هذه الثّقافة في المجتمع لا تقف عند النّتائج الّتي تحصل للّذين يستفيدون منها بل هو تعزيز لثقافة البذل والتّضحية والإيثار وتوسيع لدائرة حياة الإنسان بحيث لا تنتهي بموته بل تستمرّ في الّذين يهبهم الحياة من خلال أعضائه، وتستمرّ ما بعد الموت من خلال الثواب الّذي يحصل عليه المتبرّع بما نسميه في المفهوم الإيماني بالحسنة الجارية.
لقد جاء الدّين ليعزّز هذه الثّقافة ليحفّز المنتمين ويشجّعهم عليها فالدّين كما نراه جاء لخدمة الإنسان وليس الإنسان لخدمة الدّين.
ومن هنا فإنّنا نرى أنّه لا يمكن للرّسالات السّماويّة الّتي جاءت رحمة للعالمين ولتزرع المحبّة بهم وتعزّز فيهم روح التّضحية أن تقف عائقاً أمام تشريعات تسهم في إنقاذ حياة أناس يحتاجون إلى من يمدّ إليهم أيديهم بل هي في أساس فهمنا للدّين وقيمه.
وبناءً على ذلك، نستطيع القول إنّ هبة الأعضاء ليست أمراً جائزاً فحسب، بل هي أكثر من ذلك، فهي تكاد تصل إلى اعتبارها واجباً.
الأدلّة المباحة لوهب الأعضاء
وإذا كان البعض قد يطرح إشكالاً على ذلك، وهو أنَّ الشَّريعة تعاملت مع جسد الإنسان على أنّه ملك لخالقه، ولذا، نرى في التَّشريع أنّه لا يحقّ للإنسان أن يسيء إلى جسده، أو أن يعطّل طاقة من طاقاته، وصولاً إلى أن ينهي حياته، لكونه ليس حرًّا في التّصرّف فيها فلا بدّ من استئذانه لذلك... فكيف يمكن له أن يهب عضواً من أعضائه؟ ومن أين يأتي بالصّلاحيّة؟ ومن أجازه فيها؟
والجواب عن ذلك يستند إلى أدلّة نستقيها من معين الدّين فإنّنا نراها من القيم الّتي دعانا لله إليها وبها جاءت الرّسالات السّماويّة، فهي حثَّت الإنسان على البذل والعطاء والتّضحية والإيثار غير المحدود، هي ترى: «أنّ الإنسان لا يكون مؤمناً حتّى يحبّ لأخيه (الإنسان) ما يحبّ لنفسه»، و«إنَّ خير النّاس من نفع النّاس»، وقد ورد في القرآن الكريم: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.
إذًا، التّبرّع بالأعضاء هو حقيقة دينيَّة دعا إليها الدّين وأكّدها وحثّ عليها. وتبقى هناك نقطتان:
النّقطة الأولى: هل وُضعت قيود معيّنة للمتبرَع له؟ في الجواب عن ذلك، نقول: لقد تجاوز الإسلام، الانتماء الدّيني في عمليَّة الوهب أو التّبرع بالأعضاء، كذلك عنصر القرابة أو الجنس، تماماً كما هي الحال مع الصّدقة إلى المحتاج الّتي لا يحدّدها الانتماء الدّينيّ، بل الحاجة. والإنسان يحصل على ثوابها عند لله، حتّى لو كان متلقّي الصّدقة مختلفاً في الدّين أو المذهب، وحتّى ممّن لا ينتمي إلى دين، فالعطاء الإنسانيّ لا بدّ من أن يكون كعطاء لله الَّذي يفيض على كلّ عباده.
النّقطة الثّانية: هل يجوز البيع؟ من ناحية المبدأ، لا يجوز لأيّ إنسان أو وريث، أن يبيع عضواً من جسده أو عضواً من جسد ميت، لأنَّ البيع فرع الملك. نعم، إذا كان هناك من مال يعطى، فهو تعويض عن الضَّرر الماديّ والمعنويّ الَّذي قد ينتجه التّبرّع، وإن كنّا ندعو إلى عدم الدّخول في هذا الأمر، لإساءته إلى الإنسان، ومنعاً من الاستغلال، ممّا بات يعرف بتجارة الأعضاء في العالم.
هذا كلّه من ناحية القاعدة، وبالدّخول إلى شروط الهبة، فإذا كان حيًّا يمكنه التّبرّع باختياره وإرادته بما لا يؤثّر على وظائف جسده الأساسيّة، أمّا من توفّاه لله فلا بدّ من أن تكون بناء على وصيّة من الواهب إن حصلت بعد وفاته، لكنَّ هذا الشّرط، قد يرتفع إذا توقّفت حياة إنسان آخر على أخذ العضو من الميت.
شروط وحدود
ثمّة سؤال آخر يتّصل بحرمة الجسد وهو: هل هناك شروط في هذا المجال؟ هنا، يقال: نعم، ورد في الحديث: «إنَّ حرمة الإنسان ميتاً كحرمته حيًّا»، وهي تعني احترام جسد الميت بعد الموت، كما هو حال الحياة. ولذلك، لا بدَّ من توفير كلّ المستلزمات الّتي تضمن احترام جسد الميت بعد أخذ العضو منه، بحيث يرمّم الجسد، ويدفن وفق الأصول الشّرعيّة للدّفن.
هذه بعض التّفاصيل الّتي أحببت أن أوردها آملاً أن أكون استوفيت مداخلتي، والّتي أكّدت على مدى حرص الدّين في شكل عام، والإسلام في شكل خاص، على التّشجيع على التّبرّع بالأعضاء في خلال الحياة وبعد الموت، انطلاقاً من إيماننا بأنّ الدّين لم يدع الإنسان إلى خدمة كيانه ووجوده، بل دعاه أيضاً إلى أن يأخذ في الاعتبار حاجات الإنسان الآخر.
ويبقى أن نشير إلى أنّه لا يكفي أن نؤكّد إجازة الدّين للتّبرّع، بل لا بدّ من أن يُعزّز ذلك بالعمل على إزالة كلّ الأوهام النّفسيّة وغير النّفسيّة الّتي لا تزال حاضرة في واقعنا، والّتي قد تُنسب خطأ إلى الدّين، والّتي تمنع الإنسان من أن يوصي بشيء من أعضائه لمن يحتاجها بعد وفاته.. وهذا يحتاج إلى جهد تربويّ وإعلاميّ وتثقيفيّ، ودور فاعل لرجال الدّين وعلماء التّربية ووسائل الإعلام، وذلك لتأكيد النّقاط الآتية:
أوّلاً: إبراز الآثار الإيجابيّة الكبرى الّتي تترتّب على التّبرّع في حياة الإنسان المتبرّع له، وعند لله سبحانه للواهب.
ثانياً: توسعة عنوان الصّدقة والزّكاة، لتشمل التّبرّع بالأعضاء، ولا تبقى عند حدود المال أو العطاءات المعروفة.
ثالثاً: دعوة الأشخاص الّذين يملكون حضوراً دينيًّا أو لهم مواقع اجتماعيّة، ليبادروا إلى القيام بهذا العمل، ليكونوا قدوة للآخرين.
رابعاً: تكريم الأشخاص الَّذين بذلوا هذا العطاء، لتشجيع النّاس وتحفيزهم على ممارسة الأمر نفسه.
وأخيراً، لا بدَّ من كلمة تقدير لكلّ الّذين يبذلون جهداً في هذا الميدان الإنسانيّ، الّذي يتجلّى فيه العطاء في أفضل الصّور وأبهاها وتُعزّز لدينا ثقافة الحياة... وإذا كان من موت نسعى إليه فلأجل الحياة، آملين أن نسعى معاً ونعمل معاً، انطلاقاً من إيماننا: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}.
كلّ الشّكر لمنظّمي هذا اللّقاء على سعيهم الحميد. مع محبّتي وتقديري، والسّلام عليكم ورحمة لله وبركاته.

• كلمة ألقيت في الندوة التي أقامها اللقاء الوطني.
أخبار ذات صلة