نعاني في كندا، وخاصة في مقاطعة كيبيك ومدينة مونتريال، من غياب مرجعية دينية رسمية موحّدة للمسلمين. ومن أبرز تجليّات هذا الغياب: تجدّد الاختلاف السنوي في إعلان بداية شهر رمضان المبارك.
كل إمام أو مسجد يتخذ قراره بشكل مستقل: فريق يعتمد رؤية الهلال المحلية، وآخر يتبع حسابات فلكية لمرصد معيّن أو إعلاناً من بلد آخر. والنتيجة المؤسفة دائماً واحدة: تجد مسجداً وآخر لا تفصلهما مسافة تتجاوز مئة متر، أحدهما يبدأ رمضان اليوم، والثاني ينتظر الغد أو ما بعد الغد!
لا يقتصر أثر هذا الخلاف على المساجد فقط، بل يمتد إلى منازلنا، فتجد العائلة الواحدة ممزّقة بين فرد صائم وآخر مفطر، أو طفلاً يذهب إلى المدرسة في أول أيام رمضان فيجد زملائه المسلمين في الصف إما صائمين أو مفطرين، فيشعر بالحيرة والارتباك، أي صورة نرسمها عن ديننا في عقول أطفالنا وأبناء جيلنا الجديد حين يشاهدون هذا التشتّت؟
أنا لست عالماً ولا فقيهاً ولا أفتي في المسائل الشرعية، لكن البديهة والمنطق يقولان:
- التيسير والرفع للحرج مقصد شرعي أصيل في الدين، كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} [البقرة: 185].
- والاعتصام بحبل الله جميعاً ونبذ التفرق أمر إلهي صريح: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
فكيف يُعقل أن تتقدم الخلافات الفرعية في مسائل الاجتهاد على وحدة الصف واجتماع الكلمة في أمر جلل كشهر رمضان؟
الوحدة في إعلان بداية الشهر (ورؤيته أو حسابه) ليست ترفاً، بل ضرورة شرعية واجتماعية، فهي تحفظ على المجتمع المسلم تماسكه، وترفع الحرج عن العوائل والأطفال والمدارس، وتعزز من مصداقيتنا أمام المجتمع الكندي الأوسع.
نحن لا نطلب من الأئمة الأفاضل التنازل عن قناعاتهم الفقهية أو مذاهبهم العلمية، فلكلٍ اجتهاده ومصدره. ولكننا نطالبهم بالجلوس على طاولة حوار واحدة للاتفاق على آلية عمل تحدد أي سنة نعتمد فيها الرؤية وأي سنة نعتمد فيها الحساب، أو الاتفاق على مرجعية فلكية موثوقة واحدة، بحيث تخرج جميع المساجد بنتيجة موحّدة تحقق مصلحة الأمة.
فمتى نتحرك جدّياً نحو توحيد هذه المقاربة في مونتريال وكيبيك؟
متى نضع آلية توافقية، سواء اعتمدت الرؤية المحلية أو الحساب الفلكي الموثوق أو مزيجاً بينهما، تكون ملزمة أو على الأقل مرجعية غالبة لأغلبية المساجد؟
هذا التيسير والتوحيد ليس تنازلاً عن الدين، بل هو تطبيق لروح الشريعة ومصلحة الأمة. فهل آن الأوان لنترجم شعار «الوحدة قوة» إلى واقع عملي في تقويم رمضاننا المشترك؟
إن الإسلام يبيح للمجتمعات المسلمة في الغرب أن تضع من الآليات ما يحقق مصلحتها، استناداً لقاعدة «حيث المصلحة فثمّ شرع الله». إنّ المصالح التي سيجنيها المجتمع المسلم من الوحدة في بداية الشهر (لمّ الشمل، تقوية الناشئة، تحسين الصورة) هي في حد ذاتها مقاصد شرعية عظيمة تستحق أن ننظر في اجتهاداتنا من خلالها.
والله ولي التوفيق.