احتفل في الأول من كانون الثاني الفائت باليوم العالمي للأسرة، وذلك نظرا لأهمية الأسرة في حياتنا اليومية .
انطلاقا من ذلك، أردنا أن نتطرق لموضوع هام جداً، ألا وهو مرحلة الشيخوخة في حياة هذه الأسرة، خصوصا لما تحمله من استحقاقات يجب أن يراعيها الأبناء والمجتمع على حد سواء.
قليلون هم الذين يهملون أداء الواجب نحو أهلهم في مرحلة الشيخوخة، لكن مع ذلك هناك حالات مؤسفة يتخلى فيها الأبناء عن رعاية من سهر الليالي، بحجج مختلفة وذرائع شتى ليكون مصيرهم دور المسنين حيث يقضون فيها بقية حياتهم.
وبالرغم من أن دور المسنين تهتم بعناية بأمثالهم، الذين اضطروا الى اللجوء لهذه الدور لأسباب مختلفة، وذلك من خلال مراكز متعددة تتمتع بكفاءات وقدرات ممتازة لرعايتهم وتوفير سبل الرعاية الصحية والطبية التي ربما هي أحيانا أقدر من الأسرة وبخاصة لدى الأسر الفقيرة، إلا أن دور المسنين هذه تبقى مفيدة جدا للمسنات الذين لا أقارب لهنَّ.
باختصار، دار المسنين أو العجزة كما يسميها البعض هي المكان الوحيد الذي يلجأ إليه الكثير من المسنين على حد سواء بعد نكران أبنائهم لكل التضحيات التي قاموا بها في حياتهم من أجلهم حتى يصلوا إلى ما هم عليه، لشعورهم بأنهم أصبحوا عبئا ثقيلا عليهم، خاصة في حالة الأمراض المزمنة، وهم الذين بالأمس ضحوا براحتهم وحياتهم من أجل فلذات أكبادهم.
محطات وذكريات
لتسليط الضوء أكثر على هذه المعاناة ، جالت «اللواء» على عدد من دور المسنين وعادت بالآتي:
ــ منى سيدة في الـ65 من عمرها، بعد أن توفي زوجها أضاعت حياتها في العمل لتوفر طلبات أولادها وتدخلهم أهم الجامعات وتؤمن مستقبلهم، تقول:
« بعد أن كبرت في السن لم تعد لي أهمية في نظرهم فشكروني بوضعي وحيدة في هذه الغرفة.
لدي 3 أبناء طبيبان ومحامية، بعد أن زوجتهم وحرصت على أن أؤمن لهم كافة متطلبات العمل والحياة، ما أن تعرضت لحادث تسبب في شلّ حركتي، تغيرت معاملتهم لي وبدأت أرى الوجه الآخر لهم. وجه كله قسوة وتأفف، وأنا التي قدمت حياتي كلها لإسعادهم.
تبكي والدموع في عينيها، أخبروني أن لا قيمة لي بعد اليوم وأنني بت عبئا ثقيلا عليهم.
صدقيني أنني رغم ذلك لم أحزن، لكن ما أحزنني في الصميم أن إبنتي الوحيدة رفضت استقبالي في بيتها بدلا من أن آتي إلى «الدار» منزلها كبير وبإمكانها أن تخصص لي غرفة وتؤمن ممرضة إن لزم الأمر، كونها ميسورة الحال ولديها أيضا الكثير من الخدم، لكنها لم تقبل بحجة أنها لا تستطيع أن تتحمل مسؤوليتي.
صدقيني دخلت «الدار» منذ 4 سنوات وحتى اليوم أحداً منهم لم يسأل عني ولو مرة واحدة، على الأقل في الأعياد.
اليوم أنا أشكر ربي لأن هناك من يهتم بي في «الدار»، فكافة العاملين يحبونني دون ان أقدم لهم شيئا بعكس من قدمت لهم عمري ولم أحظَ بلحظة حنان لدى احتياجي لهم. »
ــ فدوى سيدة في السبعين من عمرها لم تتزوج وتؤسس عائلة لكنها اكتفت بتربية أولاد أخيها الذي قتل خلال الحرب الأهلية في لبنان، تقول:«منذ أن توفي أخي قررت أن لا أتزوج لأربي أطفاله الثلاثة، ولا سيما أن والدتهم بحكم عملها كانت تضطر لأن تسافر بين الحين والآخر.
وهكذا انتقلت للعيش معهم وعاملتهم كأولادي تماما، خصوصا أن والدتهم بعد مضي 5 سنوات على وفاة أخي تزوجت من جديد وعاشت خارج لبنان.
وهكذا أصبحت أنا الأم والأب، وبالرغم من أنه كان يأتيني الكثير من «العرسان» لكنني كنت أرفض الموضوع تماما لكثرة تعلقي بأولاد أخي الذين أصبحوا ينادون لي: ماما.
صدقيني عندما كبروا وبدأوا العمل وشغلوا أهم المناصب، فرحت وشعرت أنني أنجزت مهمتي، لكنني لم أتوقع منهم أن يوافقوا على العمل في الخارج لدى أول فرصة تأتيهم.
صدمت جدا، خصوصا عندما علمت أنهم جميعا سوف يسافرون، فكروا بمصلحتهم ولم يفكروا لدقيقة بمن ربتهم وقدمت حياتها لهم.
للأسف قرروا بيع المنزل لتأمين ما يلزمهم من سيولة للسفر، وطلبوا مني الإنتقال لدار المسنين بحجة أنني هناك سأجد من يهتم بي.
وطبعا وافقت لأنني لا أملك سوى الموافقة بعد أن صرفت كل ما أملك على تربية أولاد أخي.
أنا لست نادمة، لكنني أتوجه لكل سيدة سواءٌ كانت أماً أو زوجة أو أختاً أن تقوم بما يتوجب أن تقوم به دون أن تنسى نفسها، فالواجب شيء وضرورة المضي في الحياة شيء آخر.
صدقيني في اليوم الأول لدخولي «الدار» أدركت لماذا تزوجت إمرأة أخي ولم ترضَ أن تكمل حياتها مع الأولاد خصوصا وأنها كانت صغيرة في السن».
ــ محمود يبلغ الـ80 من عمره، توفيت زوجته منذ 5 سنوات، تحدثنا معه بمساعدة الممرضة التي ترافقه وتعلم بقصته، يقول:«في عمرالـ60 علمت أنني مصاب بمرض «الزهايمر»، لكن لم تكن المرحلة متقدمة واستطعنا أنا وزوجتي أن نتأقلم مع الوضع رغم صعوبة الموقف.
في كل مرة كانت تطمئنني وتؤكد لي أن شيئا لن يتغير المهم أن أبقى قويا، وفعلا بفضل العلاج تمكنا سويا من المضي قدما إلى أن توفيت زوجتي العام الماضي بحادث سير، وهذا ما لم يكن بالحسبان.
إثر ذلك، أتى ولديّ من أميركا على أساس أنهما سيأخذانني معهما للعيش هناك كونهما يعملان في مجال المحاماة، فطلبا مني توضيب الحقائب لأخذ ما يلزم.
لكن ما حصل أنهما جاءا بي لدار المسنين هنا بحجة أنهما يودان مقابلة صديق لهما، ليسافران بعدها دون توديعي.
بكيت كثيرا، لكنني الآن أشكر لله على «نعمة الزهايمر» لأنها تنسيني جحود ولديّ وما قاما به من فعل مشين بحق من رباهما واستأمنهما على حياته، هنا لدي الكثير من الأبناء الذين يحبونني ويهتمون بي.»
ــ سهى سيدة آمنت لقلبها فقررت الإرتباط برجل أرمل لديه 4 أولاد، تقول:«عندما تعرفت على مصطفى شعرت أن هذا هو الرجل الذي أحلم به، خصوصا وأنه يتمتع بكافة المواصفات التي تجذب أي إمرأة.
لم أهتم بأنه كان متزوجا ولديه 4 أولاد، بل العكس قررت أن أحرم نفسي من الخلفة لأربي أولاده فقط.
وبالفعل هذا ما حصل، وبما أنني ميسورة الحال علَّمت الأولاد بأفضل المدارس والجامعات وقدمت لـ مصطفى كل الدعم المادي في عمله وتحملت غيابه عن المنزل بداعي السفر بحجة العمل... كل ذلك قمت به.
كان دوما يطلب مني أن أكتب له وكالة ليدير أعمالي، لكنني دوما كنت أرفض إلى أن جاء يوم ووافقت، خصوصا أنه على مدى سنوات لم أرَ منه سوى كل الخير.
لكن للأسف، ما أن حصل على الوكالة حتى نقل كافة الممتلكات والأموال لإسمه، وبدلاً من أن يكافئني على وقوفي جنبه طوال هذه السنوات عاملني بقسوة، حتى أنني تعرضت للضرب والشتم من قبل أولاده، الذين قاموا بطردي من المنزل لأعلم بعدها أنه كان متزوجا في الخارج ولديه طفلان.
حينها توجهت بنفسي لـ «دار الرعاية»لأمضي بقية حياتي بهدوء دون حاجة أحد، أما هو وأولاده فأشكو أمرهم لله وحده.
وهنا أشكر والدتي التي لولاها لكنت الآن على قارعة الطريق، كانت دوما تقول لي خبئي بعض المال للزمن وهذا ما حصل، فأنا كنت دوما أتبرع لدار المسنين هذه كي تؤمن «آخرتي» لكن لم أتوقع أن «آخرتي» ستكون قريبة بهذا الشكل.
صدمتي كبيرة لكن ما يخفف من وطأتها أن المحبين في هذه «الدار» كثر، وهم يحتفون بي بكل مناسبة خصوصا في الـ21 من آذار.
وفي الختام ، دعونا لا ننسى أنه يتوجب علينا جميعا الاعتناء بالوالدين مهما كانت الظروف، وأن لا نوكل المهمة لغرباء يجدوا في كنفهم ما فقدوه في أولادهم الذين هم من لحمهم ودمهم، علينا احترامهم وعدم جرح مشاعرهم أو كرامتهم، وفي حال اضطررنا لوضعهم في دار للمسنين لظروف معينة من الضروري علينا أن نبقى على تواصل دائم معهم وبشكل يومي لنشعرهم ونؤكد لهم أنهم كانوا وسيبقوا جزءا لا يتجزأ من حياتنا.