بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 كانون الأول 2025 05:58م خمسون ألف زائر يوميًا… ما الذي يمنع طرابلس من تحويل تراثها إلى رافعة وطنية؟

حجم الخط
بقلم الدكتورة جمانة الشهال تدمري : 


المتحف المصري الكبير: برهان يومي على أن التراث يمكن أن يكون اقتصادًا قائمًا بذاته
رأي – القاهرة وطرابلس:
هل يمكن للتراث أن يصبح خطة إنقاذ لمدن تبحث عن ذاتها؟
في زمن تتسارع فيه التحوّلات، وتشعر فيه المدن العربية بأنها محاصرة بين أزماتها اليومية وذاكرة تكاد تتلاشى، يبرز سؤال ملحّ: هل يمتلك التراث القدرة على إنقاذ مدننا؟
وهل نستطيع أن نحوله من سرد جميل عن الماضي إلى مشروع عملي للمستقبل؟
رحلتي الأخيرة إلى القاهرة لم تكن رحلة سياحية، بل كانت محاولة لفهم هذا السؤال في مدينة نجحت، رغم كل تحدياتها، في صياغة علاقة جديدة مع تراثها: علاقة تقوم على الاستثمار، والتحديث، واستعادة الثقة بالهوية.
ما يلفت الانتباه في القاهرة ليس فقط ضخامة المتحف المصري الكبير ولا جودته العلمية والمعمارية، بل واقعه الاقتصادي الصارخ.
فهذا المتحف يفتح أبوابه كل صباح وهو مكتمل الحجوزات بالكامل، إذ يستقبل ما يقارب خمسين ألف زائر يوميًا، في مشهد نادر على مستوى المنطقة والعالم.
والأسعار—ورغم كونها مرتفعة خصوصًا للأجانب—لا تُشكّل عائقًا، بل على العكس، تُظهر أن الجمهور العالمي مستعد لدفع مبالغ كبيرة من أجل تجربة ثقافية استثنائية.
هذه الأرقام لا تترك مجالًا للشك:
التراث، عندما يُدار برؤية حديثة ومهنية، يتحول إلى مصدر دخل مستدام ينعش المحيط الاقتصادي، من سياحة وفنادق ومطاعم ومحلات تجارية، وصولًا إلى الصناعات الثقافية والوظائف المرتبطة بها.
وبقدر ما يعرض المتحف تاريخ الفراعنة، فهو يعرض أيضًا درسًا اقتصاديًا واضحًا:
أن الاستثمار في التراث ليس مجاملة للماضي، بل رافعة مالية حقيقية تحرّك دورة اقتصادية كاملة.
القاهرة وطرابلس: مدينتان تتشابهان… لكن مسارهما يختلف
في شوارع القاهرة، بدا المشهد مألوفًا على نحو مؤلم.
الهندسة المملوكية، الأزقة الضيقة، الأسواق النابضة، المآذن التي تشبه قصائد حجرية… كل هذا يشبه طرابلس إلى حدّ يكاد يلغي المسافات.
لكنّ الفرق صارخ:
في القاهرة، هناك قرار وطني بأن هذا التراث يجب أن يُدار، يُستثمر، ويُعاد إدماجه في حياة المدينة.
أما في طرابلس، فتراثٌ مشابه—بل أحيانًا أكثر ندرة—يُترك تحت رحمة الإهمال والتجاوزات والنسيان.
طرابلس عند مفترق: ماذا نريد أن نفعل بتراثنا؟
السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجهه اليوم في لبنان، وخصوصًا في طرابلس، ليس: "هل نملك تراثًا يستحق؟"
بل: "هل نملك الإرادة لصياغة مستقبل يقوم على هذا التراث؟"
لقد عدتُ من القاهرة بإدراك جديد:
أن مدننا لا تنهار بسبب فقر الموارد، بل بسبب غياب الرؤية.
فالتراث ليس قصة نرويها، بل أداة نستخدمها.
ليس حنينًا إلى الماضي، بل استثمارًا في المستقبل.
إذا أرادت طرابلس أن تستعيد مكانتها، وأن تخلق فرصًا لأبنائها، فعليها أن تتعامل مع تراثها بالطريقة نفسها التي تعاملت بها القاهرة مع حضارتها:
باعتباره رأس مال استراتيجي قادر على تحريك اقتصاد مدينة بأكملها.
التراث لا ينقذ المدن… إلا إذا أرادت المدن أن تُنقَذ
القاهرة لم تنقذها آثار الفراعنة وحدها.
أنقذتها الإرادة السياسية التي قررت أن تجعل هذا التراث رافعة وطنية.
وطرابلس، التي تملك ما يكفي من التاريخ لتضيء شرق المتوسط بأكمله، تنتظر قرارًا مشابهًا.
والسؤال الذي يجب أن نواجهه اليوم بصراحة:
هل نملك الشجاعة لنحوّل تراثنا إلى مشروع؟
أم سنتركه شاهدًا على ما كان يمكن أن نكونه؟
 
بطاقة تعريف:

تُعدّ الدكتورة جمانة شهّال تدمري من أبرز المدافعين عن التراث في لبنان.
وقد ساهمت مبادراتها المتعددة من خلال جمعية "تراث طرابلس–لبنان"، التي أسستها عام 2009 في إحداث حراك ثقافي ملحوظ داخل المجتمع الطرابلسي، حيث أصبح الشباب والمثقفون أكثر وعيًا وإقبالًا على حماية تراث مدينتهم.
وهي اليوم عضوة في مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي، وتواصل عبر أبحاثها الأكاديمية وأعمالها الميدانية تطوير رؤية جديدة تعيد للتراث دوره كمحرّك ثقافي واقتصادي واجتماعي لنهضة طرابلس.