للمرة الرابعة على التوالي، تركز "إسرائيل" بعد سقوط النظام السوري، على البقاء في جبل الشيخ الذي سيطرت عليه بالكامل، كما تركيزها على الإسهام في إسقاط نظام بشار الأسد. وفيما بدا أن الانسحاب من القواعد الجديدة التي أقامتها في "المنطقة العازلة" (سابقًا)، وفق اتفاق فك الاشتباك 1974 الذي وقّع حينها إثر حرب تشرين، وفق خرائط التوازن والقوى، ممكناً، لوّح نتنياهو باستحالة هذا الأمر ليكون أقرب من "الحُلم" فإسرائيل وفق عرّاب التفاهم المُرتقب "توماس برّاك"، يحق لها فعل ما تشاء، وقتما تشاء، عندما تستشعر التهديد. ورغم ذلك؛ لم ترسم دمشق لا ملامح ولا طبيعة "الاتفاق" القريب حتى اللحظة، في حين يُسرّب مخطط يُفترض أنه يحمل حلولاً لأزمات مزمنة، لكن النظرة الفاحصة تكشف أن ثمّة خطوطاً مرسومة مسبقاً، وأخرى يبدو أنها ستحُذف عمداً.
فما هي أبرز الملاحظات المنهجية، فيما لو صحّت الخريطة التي نشرها "معهد الحرب الأمريكي بتاريخ 17 من أيلول" ؟
1 - الخريطة التي نُشرت، أعطت تفاصيل تقنية لواقع رسمته "إسرائيل" بالفعل بعد سقوط النظام السابق، لكن غابَ عنها، بطبيعة الحال، بنود من الأوجب إظهارها تتعلّق بما تريده سوريا بالتحديد فما ظُهّر للإعلام يَشي بتفاهم يحقق مصالح طرف واحد ويجعل المُقابل له بلا أوراق مع تغيّر شكل الخارطة الميدانية، حتى بمشروح الطرف السوري، الذي يكتفي "بعدم التهديد"، "مصالحة الجوار" و "ترك مستقبل الجنوب السوري لخرائط التفاهم" تحت سطح اتفاق 1974 .
2 - بالنسبة للمنطقة ( وفق صورة معهد الحرب الأمريكي ) فهي قُسّمت لثلاثة مستويات، والمستوى الأول، الذي يشمل توسيع "المنطقة العازلة" ربما هو ما تركّز عليه "إسرائيل"؛ ليس لأنّها قد ترغب بقضم المزيد من الأراضي فحسب؛ بل لأن طبيعة سيطرتها العسكرية والأمنية في جنوبي سوريا تُحقِق سلفاً هذا التفصيل؛ بدليل أنّ الـ9 قواعد المنُشأة في جنوبي البلاد، هي بالأساس ضمن "المنطقة العازلة" التي نصّ عليها اتفاق 1974 الذي حطّمته "إسرائيل" بُعيد سقوط النظام، وتوسيع طيف التوغّل والتثبيت العسكري بات يتراوح ما بين نحو 300 متر لـ 1 كم وأكثر. وعليه تكون "المنطقة العازلة" - وفق خريطة واقع جنوبي سوريا توسَّعت بالفعل. ويبدو أن روح التفاهم تكمن هنا، فالحديث السوري يجري عن "اتفاق مشابه لاتفاق 1974" . وقد يقضي التسليم ببقاء بعض القواعد التي تشكّل مركز عصبي للسيطرة الأمنية الإسرائيلية في جنوبي البلاد، لتثبيت واقع مرسوم هناك. لأن طبيعة نشاط قواعد "إسرائيل" ليست عسكرية بحتة بل أمنية أيضاً ومنها ما يشكّل نقطة انطلاق وفق استشعارات أمنية تجد فتوّتها في جبل الشيخ.
3 - بالدرجة الثانية، يبقى التساؤل الأبرز: ماذا يُرجى من الاتفاق؟ هل وقف الاحتلال وهو جذر المشكلة؟ أم تعطيل تمدده ومنع تشكيله خطراً مضاعفاً على أمن سوريا نتيجة وجود فاعل يتضادّ معه وفق تحالُف دمشق - أنقرة الجديد؟ مع ذلك، يبدو أنّ المقابل الأبرز، على أقل تقدير هو وقف التوغلات المتكررة، منع فرض واقع أمني على الأهالي هناك. وتضمين ورقة المعتقلين السوريين البالغ عددهم 34 فرداً لدى الاحتلال الإسرائيلي. بالإضافة وهو الأهم السماح ببناء قدرة دمشق العسكرية، وهو أمر لم تأتِ عليه ورقة الخطة، و ذلك تفصيل يتعلق بالتفاهم مع تركيا وفق "الممكنات العسكرية في المستقبل" لكن بكل الاحوال، هل ستمنع ماهية الاتفاق الأمني "إسرائيل" من قصف أي نقطة في سوريا ؟ الخطة ذكرت حرية الحركة لتكون منصة هجمات ضد إيران، لكن ماذا لو تحوّلت سوريا لمنصة تهديد للآخرين نتيجة أفعال "إسرائيل"؟ ، وكيف تقرأ تركيا بعد الحرب بين "إسرائيل" وإيران طبيعة وماهية النفوذ الإسرائيلي في تفاصيل المشهد السوري. يرسل لون "الاتفاق" ماهية أمنية بالدرجة الأولى، تتيح مرونة حركية "لإسرائيل"، حتى لا تنزلق الأمور لما ترى فيه كل الأطراف نقطة صدع أرسلت إسرائيل فيها رسالة أنها قادرة على التحكّم، ولعلّ ذلك تجلّى بعد شطر ملف السويداء عن التفاهم الأمني المرتقب، ما يضعنا أمام سؤال آخر، هل هو نتيجة أم سبب، أم انعكاس لما أكبر من تفاهم أرادته اسرائيل؟!
4 - بموجب الخريطة، تتوسع "المنطقة العازلة" في القرى التي تعد أصلا ضمنها وفي مقدمتها خان أرنبة وحضر بالقنيطرة. ثم يتوسع الطيف ليضم توزّع سوري شُرطي لا عسكري دون أسلحة ثقيلة فيما بعد المنطقة العازلة، في محافظات القنيطرة، درعا، السويداء (مع خصوصية تدويل ملفها)، لكن توجد هنا نقطة خلافيّة، ماذا عن أسلحة "إسرائيل" في المنطقة التي توسعت فيها ؟ هل ستتساوى مع نظيرتها من حيث العدد والأسلحة ؟ وما تأثير ذلك فعلاً على الأرض مع البقاء في جبل الشيخ الذي سقط سلفاً من أي تفاهم أو تفاوض وبموجب التواجد الاسرائيلي فيه تكون دمشق المركز العصبي في متناول الانقضاض الإسرائيلي..
5 - تقاسم السيطرة مهم هنا، ووفق الاتفاق، ليس بالضرورة أن تكون طبيعة التوزّع عسكرية، بل أمنية تتيح مرونة الحركة بالنسبة للعدو الإسرائيلي، وإن كان يجد في القنيطرة مع قراها الملاصقة لريف دمشق الجنوبي ضالّته وسرعة حركته العسكرية. أمّا القوات السورية ربما تكون على عمق 10 كم من الحدود. بدور شرطي حارس، ويبدو أن إلحاق حرس الحدود بوزارة الداخلية لا وزارة الدفاع هو أحد الرسائل الباطنية لاختمار فكرة التفاهم الأمني وهي خطوة سابقة أصلا لبروز الحديث عن التفاهم.
6 - يبقى الهاجس الأبرز، في تأمين ضمانة بعدم إقدام "إسرائيل" على بناء قواعد جديدة متقدمة في جنوبي سوريا، وقد لا تكون دمشق تحت هذا النوع من القبول، وعملياً ما كسبته اسرائيل عسكريا وأمنيا يوفر عليها بناء قواعد جديدة، تواجدها في جبل الشيخ، وشقها لطريق صوفا 53، وكذلك قاعدة الهبوط المروحي في الجبل وحرية حركتها كلها أوراق تعوّض عن احتلال جديد، طالما هم دمشق مو معالجة جذر الصداع وهو الاحتلال. علاوةً على ذلك لا يجب أن يُقرأ الهم الإسرائيلي من باب الامن فقط، بل من باب الصراع على الطاقة، خصوصاً مع الرؤية الأمنية الأمريكية لطريق M5، ولا حتى دور شركائها الخليجيين في جنوبي البلاد، كل هذا من شأنه أن يجعل تركيز إسرائيل أكبر على الجنوب، لا سيما حوران، فالتمدد ليس كل القضية ولا عنوان تقاسم النفوذ الوحيد.