بيروت - لبنان

اخر الأخبار

28 تشرين الأول 2025 12:00ص اقتصاد الحرب في لبنان: من الإنهيار إلى إعادة التشكّل

حجم الخط
د. هنا وليد عرابي

لم يعد لبنان مجرد بلدٍ يعاني أزمة مالية عابرة، بل بات يعيش في قلب «اقتصاد حربٍ» من نوعٍ آخر - حربٍ تُدار بأسلحة السوق والنفوذ والمساعدات لا بالقذائف. فمنذ عام 2019، تحوّل المشهد اللبناني إلى نموذج فريد لاقتصاد يُعاد تشكيله تحت الضغط، حيث تتقاطع التحوّلات البنيوية الداخلية مع التوترات الإقليمية، لتولد منظومة اقتصادية جديدة تعيش على حافة البقاء.

من الإنهيار المالي إلى اقتصاد البقاء

تُجمع التقارير الدولية على أن الأزمة اللبنانية تُعدّ من أعمق ثلاث أزمات اقتصادية عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر.
فوفق البنك الدولي (2025)، تقلّص الناتج المحلي الإجمالي من 55 مليار دولار عام 2018 إلى أقل من 18 مليار عام 2024، فيما فقدت الليرة أكثر من 98% من قيمتها وقفز التضخم إلى حدود 180%.
لم تقتصر الكارثة على الأرقام، بل شملت تحوّلاً في البنية الاقتصادية ذاتها: غابت الدولة عن التنظيم والرقابة، تفككت القطاعات الإنتاجية، وبرزت شبكات جديدة لإدارة السوق - من تجار المحروقات إلى الصرافين ومنصات التحويل النقدي.
ووفق Fitch Solutions (2024)، أكثر من 85% من التعاملات اليومية في لبنان تتم نقداً، ما يعني أن الدورة المالية خرجت فعلياً من سيطرة الدولة والمصارف.
لم تعد البنوك قلب الاقتصاد، بل السوق النقدية الموازية التي تُدار من خارج المنظومة الرسمية - أي من صلب اقتصاد الظل.

من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد الظل

التحوّل البنيوي الأعمق تمثّل في انهيار نموذج الاقتصاد الريعي القائم على المصارف والتحويلات.
القطاع المصرفي، الذي كان يُشكّل نحو 400% من الناتج المحلي الإجمالي، تراجع إلى أقل من 60% (صندوق النقد الدولي، 2025). أما الودائع فانخفضت من 170 مليار دولار إلى أقل من 90 مليار، في حين تمدّد اقتصاد الظل ليشكّل أكثر من 55% من الناتج المحلي.
تشير دراسة جامعة القديس يوسف (2024) إلى أن 63% من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعمل خارج النظام الضريبي وأن 70% من التعاملات لا تمرّ عبر المصارف.
اقتصاد الظل لم يعد ثانوياً، بل تحوّل إلى منظومة متكاملة تُنتج وتوظّف وتؤمّن الدخل، لكنها في المقابل تُضعف الدولة وتُكرّس شبكات النفوذ والزبائنية.
إنه اقتصاد الولاءات لا اقتصاد الكفاءة، حيث تحكمه المصالح والوساطات بدل الإنتاجية والقانون.

الجغرافيا كعامل إنتاج: اقتصاد الحرب الباردة

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحوّلت الحدود الجنوبية إلى جبهة منخفضة الوتيرة أدخلت لبنان في حالة «حرب باردة اقتصادية».
تقرير الإسكوا (2025) يُظهر أن كلفة التأمين في الجنوب ارتفعت 40%، وأسعار السلع تفوق المعدل الوطني بـ 25%، بينما تراجعت الاستثمارات الزراعية والسياحية.
في المقابل، نشطت مناطق أخرى - كطرابلس وبيروت والبقاع - بفعل تدفقات التموين والإغاثة والتعبئة، ما خلق تبايناً صارخاً بين اقتصاد هشّ في مناطق التماس واقتصاد متكيّف في مناطق الظل.
هكذا أُعيد توزيع الثروة وفق الجغرافيا والولاء لا وفق الإنتاج، لترسخ معادلة «اقتصاد الطوارئ» بدل «اقتصاد السوق».

المساعدات الدولية كاقتصاد بديل

منذ بدء الانهيار، تدفقت إلى لبنان مساعدات إنسانية وتنموية تجاوزت 7 مليارات دولار خلال خمس سنوات (UNDP، 2025).
لكنها لم تعد مجرد دعم اجتماعي، بل تحوّلت إلى قطاع اقتصادي موازٍ يضخّ السيولة في الأسواق ويُعيد تدويرها في شكل رواتب وإنفاق استهلاكي.
البنك الدولي وصف هذه الظاهرة عام 2024 بـ «اقتصاد الحقن الخارجي» (Injection Economy): اقتصاد يعتمد على تدفقات الدعم لا على الإنتاج، وعلى الإنفاق الطارئ لا على الاستثمار المستدام.
بهذا، أصبحت المساعدات جزءاً من منظومة الاستقرار المالي المؤقت، لكنها في الوقت نفسه أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث أصبحت المساعدات هي الحَكم في معادلة البقاء الاجتماعي بدل السياسة العامة.

الدولار النقدي والسيادة المنقوصة

من أبرز التحوّلات في الاقتصاد اللبناني انتقاله إلى الدولرة النقدية الشاملة.
تقدّر بلومبيرغ (2025) أن حجم النقد المتداول بالدولار داخل لبنان تجاوز 10 مليارات دولار تُستخدم في المعاملات اليومية وحتى في بعض الخدمات الرسمية.
هذا التحوّل خلق اقتصاداً مزدوجاً: عملة وطنية بلا ثقة ودولار نقدي يحكم السوق.
ومع تراجع دور الليرة، خسر مصرف لبنان أدواته في السياسة النقدية، لتتحوّل السيادة المالية إلى سلعة مشتركة بين السوق والمساعدات والصرافين.

الفساد كآلية لإدارة الانهيار

لم يعد الفساد في لبنان ظاهرة عرضية، بل آلية بنيوية لإدارة الموارد والأزمات.
تقرير Transparency International (2025) يضع لبنان في المرتبة 154 من أصل 180 دولة، مشيراً إلى أن النظام السياسي أعاد إنتاج نفسه عبر السيطرة على عقود المساعدات، الامتيازات الجمركية، وإعادة الإعمار.
بهذا، لم يسع النظام إلى مقاومة الانهيار بل إلى التكيّف معه، عبر إعادة تدوير شبكات الزبائنية المالية ضمن منظومة نفوذ جديدة، حيث تحوّلت إدارة الأزمة إلى شكلٍ من أشكال الحكم.

التموضع الإقليمي وإعادة الإعمار كأداة نفوذ

بعد حرب غزة (2023–2024)، وجد لبنان نفسه في قلب توازنات النفوذ الإيراني والغربي والخليجي.
وتقدّر الإسكوا (2025) أن كلفة إعادة إعمار البنية التحتية، في حال توسّع النزاع في الجنوب، قد تتجاوز 20 مليار دولار، ما يجعل الإعمار بوابة جديدة لتقاسم السلطة والنفوذ.
كما بعد حرب 2006، يبدو أن الإعمار في لبنان سيُستخدم مجدّداً كأداة لإعادة توزيع السلطة أكثر مما هو مشروع تنموي، ما لم تُقرّ إصلاحات بنيوية جذرية تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس شفافة ومستقلة.

بوادر التحوّل: اقتصاد الصمود والمبادرات المحلية

رغم هذا الواقع القاتم، تبرز مؤشرات خجولة لاقتصاد مقاوم من القاعدة إلى القمة.
قطاع التكنولوجيا الرقمية حقق نمواً بنسبة 12% عام 2024 بفضل العمل عن بُعد، كما توسّعت المشاريع الزراعية والبيئية الصغيرة في البقاع والجنوب، بدعم محلي ودولي.
تشكّل هذه المبادرات نواة اقتصاد صمود محلي يقوم على الإنتاج المستدام والتعاونيات النسائية، كبديل عن الريع المركزي والزبائنية.

من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الصمود

اقتصاد الحرب في لبنان لم يعد ظرفياً بل أصبح بنية دائمة تتغذى على الفوضى وتعيش منها.
النظام المالي المنهار فتح المجال أمام الاقتصاد النقدي والموازي، والمساعدات خلقت شبكات مصالح جديدة، والصراعات الإقليمية أعادت تشكيل معادلات النفوذ.
هكذا نشأ ما يمكن تسميته بـ «اقتصاد البقاء البنيوي» - اقتصاد لا ينهار كلياً ولا يتعافى كلياً، بل يعيش على حافة التوازن الهش.
ومع ذلك، يبقى الأمل في التحوّل نحو اقتصاد صمود وتنمية، تُبنى أسسه في القرى التي تزرع من جديد، وفي الشباب الذين يبتكرون حلولاً رقمية محلية، وفي النساء اللواتي يُدرن تعاونيات صغيرة تنقذ أسراً من الجوع.
من تحت الرماد، يُعاد تشكيل الاقتصاد اللبناني - لا بأوامر فوقية، بل بإرادة قاعية تبني وطناً يعيش رغم الانهيار.