بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 تشرين الأول 2025 12:00ص الجهود مستمرة لتحقيق توازن مالي واقتصادي... هل نصل إلى صفر عجز؟

محمود جباعي محمود جباعي
حجم الخط
نوال أبو حيدر

رغم التقدم الملحوظ الذي شهدته موازنة عام 2026 والإجراءات الجدّية التي اتخذتها وزارة المالية لتعزيز الرقابة وتحسين آليات تحصيل الإيرادات، تبقى التحديات الاقتصادية والمالية كبيرة ومعقّدة. وقد سعت الوزارة إلى وضع خطة متوازنة تهدف إلى ضبط الهدر وتقليل العجز دون فرض أعباء جديدة على المواطنين أو الشركات، مع التركيز على تحسين الكفاءة والشفافية في إدارة الموارد.
ويشير ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي إلى بوادر استقرار مالي، ما يفتح المجال أمام موازنة أكثر اتزانا وقدرة على تمويل الأولويات التنموية والاجتماعية. ومع ذلك، يظل السؤال المحوري: هل من الممكن فعلاً تحقيق صفر عجز، أم أن ذلك يبقى هدفا طموحا يحتاج إلى تعاون واسع واستمرار للإصلاحات؟

إيجابيات ملموسة رغم التحدّيات

من هذا المنطلق، يقول الخبير والباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية محمود جباعي إنه «لا شك أن موازنة عام 2026 لا تزال بعيدة عن أن تكون الموازنة المثالية التي نطمح إليها، تلك الموازنة المتكاملة من حيث الأبعاد المالية والاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، يمكن القول إنها تشكّل خطوة إيجابية ضمن حدود الممكن حاليا، نظرا للظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد، خاصة بعد الحرب الأخيرة التي خلّفت خسائر كبيرة على مختلف الأصعدة، ولا تزال عملية إعادة الإعمار بعيدة المنال في ظل غياب المبادرات الفعلية والتمويل اللازم».
ويتابع: «من النقاط الإيجابية في هذه الموازنة، أنها لم تلجأ بشكل مباشر إلى زيادة الضرائب والرسوم على المواطنين والشركات، بل ركزت على تحسين الجباية كوسيلة أساسية لتعزيز الإيرادات العامة. وهذا توجّه مهم، إذ إن زيادة الإيرادات عبر توسيع القاعدة الضريبية وتحسين التحصيل يُعدّ أكثر عدالة وكفاءة من فرض أعباء إضافية على المكلفين».
ويضيف جياعي: «قد سعت وزارة المالية إلى اعتماد المكننة كوسيلة فعّالة لمكافحة الهدر والفساد، وتسهيل الإجراءات على المواطنين والمؤسسات، ما من شأنه أن يسهم في زيادة الشفافية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن. ومن الخطوات اللافتة في هذا الإطار، وضع خطة واضحة لتفعيل الرقابة الجمركية من خلال تركيب أجهزة المسح (Scanners) في المرفأ والمطار، ما يساعد في ضبط التهرّب الجمركي وزيادة الإيرادات من هذا المصدر الحيوي».

نتائج متوقعة: زيادة الإيرادات وتقليص العجز

وفي سياق متصل، يرى جباعي أنه «وفقا لتقديرات وزارة المالية، فإن هذه الإجراءات من شأنها أن تؤدي إلى زيادة سنوية في الإيرادات تتراوح بين 800 إلى 900 مليون دولار، وهو رقم مهم في ظل التحديات الحالية. هذا التحسّن في الإيرادات، إضافة إلى ترشيد النفقات، مكّن الوزارة من إعداد موازنة متوازنة بين الواردات والنفقات، مع توقّع تحقيق عجز صفر للمرة الأولى منذ سنوات».

نظرة مستقبلية

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يشرح أنه «تبقى الحاجة ملحّة لاستكمال مسار الإصلاحات على المستويات كافة، خصوصا فيما يتعلق بإعادة هيكلة النظام الضريبي، وتطوير الإدارة العامة، وتعزيز العدالة الاجتماعية من خلال توزيع الأعباء بشكل عادل. كما يبقى ملف إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية لا يمكن تأجيلها إذا ما أُريد للنمو الاقتصادي أن يعود إلى مساره الطبيعي».

هل من الممكن الوصول إلى صفر عجز؟

أمام هذه الوقائع، يلفت جباعي إلى أنه «يمكن القول بثقة إن ذلك ممكن، بل ومن الممكن أيضا تحقيق فائض في حال نجحت وزارة المالية في تنفيذ خطتها كما هو مرسوم، لا سيما فيما يتعلق بتفعيل الرقابة وزيادة الإيرادات عبر تحسين الجباية والحد من الهدر. فمن الناحية الحسابية والمنطقية، الوصول إلى صفر عجز هدف قابل للتحقيق، ولكن بشرطين أساسيين: أن تطبّق الرقابة بشكل فعّال وشامل، وأن يتم تحصيل الإيرادات كما هو متوقّع. غير أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم من خلال وزارة المالية وحدها، بل يتطلب تعاونا جدّيا وتنسيقا متكاملا بين مختلف الوزارات والإدارات المعنية، لأن النجاح في ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات هو مسؤولية دولة، لا وزارة واحدة فقط. وعليه، فإن بلوغ موازنة متوازنة أو تحقيق فائض مالي يبقى رهن التزام الجميع بالإصلاح والتنفيذ الجاد».

خطوات جدّية نحو إصلاح مالي مستدام

وبحسب معلوماته المتوفرة، يوضح جباعي أن «وزير المالية يتابع شخصيا آلية الرقابة على تنفيذ الموازنة، ما يعكس جدّية واضحة في تطبيق خطة الإصلاح المالي. ويسجَّل له أنه أدخل تغييرات جوهرية على نظام الرقابة الجمركية، من خلال اعتماد آلية مختلفة كليا عن الممارسات السابقة، ما يهدف إلى ضبط التهرّب وتفعيل التحصيل، خصوصا أنه يراهن على نجاح هذه الخطوة كمفتاح لتحسين الإيرادات. وهذه الإجراءات تُعدّ بحد ذاتها خطوة إيجابية ومتقدمة نحو الأمام، سيكون لها انعكاسات مباشرة ليس فقط على موازنة 2026، بل أيضا على موازنة عام 2027 وما يليها، إذا ما استمرت بنفس الوتيرة».
ويكمل: «من شأن زيادة الإيرادات أن تفتح المجال تلقائيا أمام رفع سقف النفقات الاجتماعية، كزيادة الرواتب، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتقديم مساعدات أوسع للفئات الهشة. وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من القروض المخصصة لقطاعات حيوية كقطاع الطاقة والزراعة، حيث يتم توجيهها نحو مشاريع استثمارية منتجة، لتكون بديلا جزئيا عن النفقات الاستثمارية التقليدية، بما يخفف العبء على الخزينة من جهة، ويُسهم في الوقت نفسه في تحريك عجلة الاقتصاد. فعائدات هذه الاستثمارات ستنعكس بشكل مباشر على الناتج المحلي، والإنتاجية، والنمو الاقتصادي، وتحفيز بيئة الاستثمار».
ويختم: «ما يُعزّز قوة هذه الموازنة أيضا أن الناتج المحلي الإجمالي قد تجاوز اليوم 30 مليار دولار، ما يعدّ مؤشرا إيجابيا، إذ كلما ارتفع الناتج المحلي، زادت قدرة وزارة المالية على إعداد موازنة أكبر وأكثر شمولا، مما يمنح هامشا أوسع لتحريك الاقتصاد وتحقيق أهداف تنموية واجتماعية. لكن لا يمكن تجاهل أن نجاح هذه الموازنة، وسير الخطط الموضوعة كما هو متوقّع، يبقى مرتبطا بعوامل أساسية لا تقل أهمية، وعلى رأسها وجود وفاق سياسي داخلي يوفّر بيئة مستقرة للتنفيذ، إلى جانب دعم خارجي واضح ومحدد في ملف إعادة الإعمار، باعتباره عاملا حاسما في تحفيز النمو وعودة الثقة الدولية بالاقتصاد الوطني».