بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 شباط 2025 12:00ص الدولة المعاصرة في الوطن العربي بين الانكشاف الداخلي والاستثمار الخارجي (1/2)

حجم الخط
في تعريف الدولة العربية المعاصرة

المقصود بالدولة الحديثة والمعاصرة في الوطن العربي، هي واحدة من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، التي تتماثل في اندراجها في نظام إقليمي عربي واحد، من حيث نشأتها التاريخية، ومكوّناتها البنيوية، والوظائف التي تقوم بها.
الاشكالية المركزية التي يسعى هذا البحث الى تظهيرها كحالة معرفية تندرج في متابعة تجربة الدولة في مسارها العام، وهي التجربة التي اتسمت بالفشل في إدارتها لمجتمعها، الذي ظلّ أسيرا لبنيته التقليدية غير المتماسكة من جهة، ومنكشفا على غير مستوى سياسي واجتماعي واقتصادي وعلمي وثقافي وتنموي من جهة أخرى. هذا المأزق الوظيفي للدولة جعلها سهلة الانكشاف أمام الخارج الدولي والاقليمي، الذي راح يسعى لإحداث اختراقات داخل الدولة واستثمارها في الاتجاه الذي يستجيب لمصالحه في الاستحواذ على مواقع نفوذ وسيطرة تخدم أغراضه ومشاريعه السياسية والاستراتيجية.

محاور البحث

يعالج هذا البحث ستة محاور أساسية، وينتهي الى صياغة استنتاجية لمستقبل الدولة في الوطن العربي.
المحور الأول، معوّقات قيام الدولة العربية المعاصرة:
ينطلق هذا المحور من مشكلة ذاتية تتعلق بالكيفية التي رافقت نشأة الدولة في المنطقة العربية، أي حالتها عند الولادة أو النشأة، ذلك أنّ هذه الولادة لم تكن حاصلة بفعل تطورات طبيعية ذاتية اجتماعية واقتصادية وسياسية، شكّلت بمجموعها ظهورا للدولة، وإنّما كانت نشأتها قد تمّت بإرادة خارجية مرسومة في استراتيجيات الدول الأجنبية، التي تحكّمت بمصير الجغرافية السياسية العربية في ضوء النتائج التي انتهت إليها الحربان العالميتان الأولى (1914 - 1918) والثانية (1939 - 1945). فقد أمسك الثنائي الاستعماري الأنكلو - فرنسي بالوضع العربي بصورة عامة، وراح يفصّل كيانات سياسية ( دول ) على قياس مصالحه في السيطرة والمراكمة الرأسمالية المستمرة. وإذا كانت الرأسماليتان البريطانية والفرنسية قد أحكمتا سيطرتهما على معظم الأقطار العربية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنّ مرحلة ما بعد هذه الحرب راحت تشهد سيطرة جديدة تمثّلت برأسمالية المركز (رأسمالية الذروة) أي الولايات المتحدة الأميركية، التي تولت رعاية إنشاء الكيان الصهيوني - الاستيطاني - الإحلالي في فلسطين بهدف منع قيام أي وحدة أو حالة اتحادية في المنطقة بسبب الحاجز أو المانع الصهيوني الذي فصل بين شطري المجال العربي مشرقه ومغربه.
المحور الثاني، المأزق الوظيفي للدولة:
تجلّى هذا المأزق من خلال عجز الدولة في كل الوطن العربي، عن مواجهة التحديات المانعة لتطورها وقيادة مجتمعها في مسارات التقدم والنهوض والتنمية. أبرز هذه التحديات كانت:
1- قوّة النزعة اللامركزية عند جماعات الدولة (الطائفية، المذهبية، الإثنية والجهوية)، فقد ظلّت هذه الجماعات مشدودة الى ولاءاتها الأولية، وبعيدة عن تحقيق حالة من الاندماج المجتمعي الثقافي والوطني، الأمر الذي أبقى الدولة عاجزة عن إنتاج بنية وطنية متماسكة من ناحية، وأسيرة الى انقساماتها السياسية والاجتماعية وأزماتها وحروبها الأهلية من ناحية أخرى.
2- غياب وحدة الهويّة المجتمعية والوطنية، وهو غياب استمرّ مع «الرعية» (الرعايا) كحالة مفهومية في الثقافة السلوكية والسياسية عند السلطات الحاكمة من جهة، وأيضا عند قوى وتشكّلات المجتمع المدني من نقابات وأحزاب سياسية وهيئات وروابط من جهة أخرى.
3- تحدّي الديمقراطية، ذلك أنّ الوعي السياسي لم يسجّل تطورات إيجابية يمكن معها الوصول الى حالة مسيطرة وفاعلة في الثقافة الاجتماعية والسياسية والوطنية داخل الدولة، وهذه مشكلة انعكست على مستوى إنتاج السلطة الحاكمة للدولة، فهي سلطة استمرت تعيد نفسها كقوّة تسلّطية سواء على مستوى الهياكل الإدارية في الدولة، أم على مستوى الجماعات التابعة التي هي بمثابة الدعامة الأساسية في عملية تجديد النخب الزعامية والسياسية الحاكمة.
4- اشكالية العلاقة بين السلطة والدولة، وهي اشكالية استمرت معها السلطة تضع نفسها فوق الدولة، لا بل راحت تجعل من هذه الأخيرة على أنّها عبارة عن أرث أو ميراث للوراثة كان يجري توزيعه على قاعدة الحصّة والغنيمة، الأمر الذي اتسمت معه الدولة بسمة الدولة - الحصّة أو الدولة المغانمية.
من بين الأسباب الكامنة وراء النزعة التسلّطية على الدولة:
أ- تبعية النخبة الحاكمة اقتصاديا وثقافيا وسياسيا للخارج.
ب- معظم النخب التي حكمت الدولة كانت عبارة عن تحالف ضمّ كبار ملاّك الأراضي في الأرياف الفلاحية الزراعية مع كبار تجّار المدن الذين انفتحوا على علاقات السوق في وقت ظلوا ثقافيا ووعيا سياسيا تحت تأثير علاقات انتاج ماقبل الرأسمالية، حيث استمرّوا عبارة عن مركّب عشائري، عائلي، اثني، وطائفي.

مظاهر انكشاف الدولة

برزت هذه المظاهر على أكثر من مستوى، هذه ستة منها:
1- انكشاف الأمن الغذائي:
من دالّات هذا الانكشاف كانت تلك الفجوة المساحية بين المساحة الكلية في كل دولة عربية، والمساحة الصالحة للزراعة، وتلك المستثمرة فعليا. تتضح هذه الفجوة إذا ما عرفنا أنّ إجمالي المساحات العربية تبلغ حوالي 1400 مليون هكتار، في حين لم تتجاوز المساحات الصالحة للزراعة الـ 75 مليون هكتار (5.3%)، والمساحات المستثمرة منها فعليا لا تزيد عن 28 مليون هكتار أي حوالي 37% أي قرابة النصف. ففي عام 2010، سجّلت الفجوة الغذائية كقيمة مالية للمستوردات من الخارج أكثر من 29 مليار دولار، لترتفع الى ما يزيد عن 47 مليار دولار في العام 2018، لتعود لتسجل نحو 44 مليار دولار في العام 2020. كانت سلعة القمح كمادة غذائية أساسية قد احتلت الرقم الأعلى في الفجوة، حيث استأثرت بأكثر من 46%، مقابل 54% لباقي السلع الغذائية المستوردة.
تركت الفجوة الغذائية تداعياتها على ارتفاع معدّلات الفقر والجوع في سائر الدول العربية، حيث بلغ عدد الجياع العرب عام 2010 أكثر من 35 مليون جائع أي ما يمثل نسبة 10% من إجمالي السكان، ثمّ ارتفع العدد، تحت ضغط الأزمات الاجتماعية والبيئية، والحروب الداخلية، الى 130 مليون جائع في العام 2022 أي قرابة 30% من اجمالي السكّان، لتشير التوقعات الاحصائية الى احتمال ارتفاع هذه النسبة الى أكثر من 36% (أكثر من الثلث) للعامين القادمين 2024 و2025.
2- الانكشاف السكّاني:
على الرغم من الخصوصيات الإيجابية للمجال السكاني في الأقطار العربية، من حيث معدّلات الخصوبة والنمو، وكذلك من حيث التركيب الهرمي لتوزّعات الفئات العمرية (32٪ دون الـ 15 سنة، 63% بين 15 - 65 سنة، 5% فوق 65 سنة)، على الرغم من السمة الشبابية للثروة السكّانية، والدينامية الحيوية للمجتمعات العربية، إلّا أنّ هذه المجتمعات تعاني من مظاهر انكشاف متعددة، فهناك ارتفاع في معدّلات الأمية (58% في الأعلى، 15% في الأدنى)، وارتفاع في معدّلات البطالة (أعلاها في جيبوتي 50%، ونسب مرتفعة من السكان تحت خط الفقر المتعدد الأبعاد، حيث بلغت في العام 2021، أكثر من 19%، الأمر الذي انعكس تدنّيا في متوسطات مؤشرات التنمية البشرية، التي سجّلت في الوطن العربي لعام 2020: 0.680، مقابل 0.741 كمتوسط عالمي، و0.923 في البلدان الصناعية المتقدّمة.
3- الانكشاف الاقتصادي:
أبرز مظاهر هذا الانكشاف:
1- طغيان سمة الاستهلاكية على الاقتصاد العربي في سائر الأقطار العربية، فهو اقتصاد نمطي استهلاكي أكثر منه إنتاجي بخصوصية انتاجية عربية، إضافة الى بقائه أسيرا في دائرة الاستتباع لأسواق الخارج الأجنبي غربا وشرقا.
2- هو اقتصاد خدمات في الغالب، ذلك أنّ قطاع الخدمات ما زال يحتل النسبة الأعلى في تركيب الناتج المحلي الإجمالي، (في لبنان مثلا، شكّل قطاع الخدمات أكثر من 70% في توزيعات الناتج، مقابل أقلّ من 30% لقطاعي الإنتاج الرئيسيين الصناعة والزراعة).
3- اقتصاد مديونية عالية، وهذا ما دلّت وتدلّ عليه النسب المرتفعة لحجم الدين العام الى إجمالي الناتج المحلي في غير قطر من الأقطار العربية، على سبيل المثال، بلغ حجم الدين في السودان 263% في العام 2020، وهو مرشّح للارتفاع بسبب الحرب الأهلية التي ما تزال متفجّرة، والأمر نفسه ينطبق على لبنان 155%، البحرين 133%، مصر 92%، الأردن 89%، تونس 88%، اليمن 83%، العراق 81%، سلطنة عمان 81% والمغرب 76%).
كما يبرز الانكشاف الاقتصادي في تدنّي حجم الناتج المحلي الاجمالي العربي، الذي لم يسجّل أكثر من 2.1 تريليون دولار لعام 2010، ولم يتجاوز بعد عقد من الزمن أي في العام 2021، أكثر من 2.88 تريليون دولار (أقلّ من 2.5% من إجمالي الناتج العالمي)، فهذا البطء في تطور حجم الناتج يعود الى معدلات نمو قليلة ومتدنية، ذلك أنّ الحراك الاقتصادي العربي بصورة عامة لم يتجاوز في العام 2001 عتبة الـ 1.6% كمعدل نمو سنوي، ليعود فيتدنى في العام 2009 الى 0.5%، ثمّ لينحدر، في العام 2020، بسبب الأزمات والحروب وانتشار وباء كورونا، الى ( 0.8% -).

* باحث في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية