بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 شباط 2025 12:00ص الدولة المعاصرة في الوطن العربي بين الانكشاف الداخلي والاستثمار الخارجي (2/2)

حجم الخط
في تعريف الدولة العربية المعاصرة 

المقصود بالدولة الحديثة والمعاصرة في الوطن العربي، هي واحدة من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، التي تتماثل في اندراجها في نظام اقليمي عربي واحد، من حيث نشأتها التاريخية، ومكوّناتها البنيوية، والوظائف التي تقوم بها.
الاشكالية المركزية التي يسعى هذا البحث الى تظهيرها كحالة معرفية تندرج في متابعة تجربة الدولة في مسارها العام، وهي التجربة التي اتسمت بالفشل في ادارتها لمجتمعها، الذي ظلّ أسيرا لبنيته التقليدية غير المتماسكة من جهة، ومنكشفا على غير مستوى سياسي واجتماعي واقتصادي وعلمي وثقافي وتنموي من جهة أخرى. هذا المأزق الوظيفي للدولة جعلها سهلة الانكشاف أمام الخارج الدولي والاقليمي، الذي راح يسعى لإحداث اختراقات داخل الدولة واستثمارها في الاتجاه الذي يستجيب لمصالحه في الاستحواذ على مواقع نفوذ وسيطرة تخدم أغراضه ومشاريعه السياسية والاستراتيجية.
4- الانكشاف العلمي:
 ظهرت مؤشرات الانكشاف العلمي:
- في بطء تحويل العلوم الأساسية (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الهندسة، التكنولوجيا...) الى معارف تطبيقية في حركة الإنتاج، ومن خلال تطوير الأنشطة الصناعية والتكنولوجية والزراعية وسواها.
- في تدنّي الانفاق على البحوث والتطوير العلمي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الاجمالي (أقلّ من 1% في سائر الأقطار العربية، وفي مصر الدولة الوازنة في النظام الإقليمي العربي بلغت نسبة الانفاق على التطوير العلمي والأبحاث 0.23% عام 2018).
- في ارتفاع متزايد لموجات الهجرة، لا سيّما للنخب العلمية والأدمغة التي راحت تجد بيئات حاضنة لها في الخارج الأوروبي والأميركي بصورة خاصّة، وأيضا للفئات العمرية الشّابة ذات الأغلبية الفاعلة في سوق العمل والانتاج، والتي راحت تهاجر الى الخارج تحت تداعيات الحروب والأزمات الضاغطة التي تفجرت منذ مطالع العقد الثاني من القرن الحالي، وهي ما تزال مستعرّة في غير قطر عربي.
 5- الانكشاف السياسي:
استمرت السياسات العربية حركات متعثرة وعاجزة عن انتاج نخب سياسية كفوءة وقادرة على قيادة الدولة واداراتها ومرافقها العامة. المشكلة الكبرى هنا، تبقى كامنة في سيادة النمط النبوي الخليفي كمفهوم تاريخي امتدادي في الثقافة السياسية العربية التي شكّلت بنية النظام السياسي الذي ظلّ ثابتا في توليد السلطة الحاكمة للدولة.
أفضى الانكشاف السياسي العربي الى تعثّرات مستمرة في مجالات الاصلاح والتطوير والتنمية، وكانت المشكلة الأكبر تتمثّل في استمرار الديمقراطية الشكلانية، التي كانت أقرب الى الوهم والتقليد الشكلي من غير أي مضمون ديمقراطي سليم وحقيقي، الأمر الذي أدّى الى تغييب عملية تجديد السلطة، وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية من جهة، والى ثبات القوى التقليدية الحاكمة، التي استمرت تعيد إنتاج نفسها في كل مرّة يعاد معها توزيع السلطة بكل مستوياتها الوزارية والنيابية وسائر المواقع السلطوية الأخرى في الدولة من جهة أخرى.
6- الانكشاف الاجتماعي:
استمر هذا الانكشاف من جرّاء فشل السلطة الحاكمة للدولة في التأسيس لتجارب ناجحة في التنمية الانسانية المستدامة، وفي مكافحة الفقر والجوع والبطالة والأمية والهجرة، فالعدالة التوزيعية للدخل الوطني ظلّت غائبة في سائر المجتمعات العربية. أمّا المشكلات المجتمعية التي لم تعرف لها حلولا ومعالجات كافية وناجعة، كانت مشكلات الأقليات الدينية والاثنية والثقافية والجهوية، التي لم تعمل الدولة العربية في كل الوطن العربي على اعتماد استراتيجيات عامة لمعالجة القضايا الأقلّوية، من حيث استيعابها، والعمل على اندماجها في الاجتماع الوطني، وصولا الى تعزيز ثقافة مجتمعية وطنية متفاعلة مع الثقافة القومية العربية الشاملة. 

تداعيات انكشاف الدولة المعاصرة في الوطن العربي

ترك انكشاف الدولة وفشلها على كل المستويات والمظاهر المشار إليها، تداعيات سلبية ضاغطة وشاملة، حالت حتى اليوم، دون التأسيس لتجارب وطنية تأخذ طريقها الى النجاح والاستمرار والمراكمة. تجلّت هذه التداعيات في التالي:
1- انسداد أفق الطبقة الاجتماعية الوسطى، التي يتوقّف على دورها تأمين التوازن الاجتماعي من جهة، وضمان التطور والتغيير والنهوض بالدولة ومجتمعها من جهة أخرى. 
2- تغييب وتهميش قوى المجتمع المدني من أحزاب سياسية، ونقابات مهنية وعمّالية، وروابط وجمعيات وهيئات في القطاعين العام والخاص. أسهم هذا التغييب في توسيع مساحة التهميش للشرائح الاجتماعية المختلفة دلّ عليها ارتفاع نسب الفقر والبطالة والأمية والهجرة، وكذلك اتساع فجوة الدخل بين الشرائح والفئات المختلفة، ففي العام 2020 كان أكثر من 50% من سكّان الدولة (أكثر من النصف) يحصلون على أقلّ من 20% من اجمالي توزيعات الدخل الوطني، بالمقابل، كان أقلّ من 20% ( أقلّ من خمس السكان ) يستأثرون بأكثر من 50% من اجمالي هذا الدخل.
على مستوى السلطة السياسية الحاكمة، فقد أسّست هذه الأخيرة لنظام سياسي حاكم للدولة، ولم تؤسّس لدولة قادرة على القيام بوظائفها العامة والتطويرية والنهضوية. في غير دولة عربية معاصرة، تحوّل النظام السياسي الى عصبية قرابية حاكمة (عشيرة، قبيلة، عائلة، أسرة، اثنية مذهبية دينية سياسية، حزب سياسي...)، ومن مرتكزات القوّة لهذا النظام هو أنّه عمل على تحصين بقائه ووجوده بطبقة اجتماعية هي الطبقة الرابعة التي تربطها بالنظام الحاكم شبكة من المنافع والخدمات الزبائنية، وهي طبقة امتدادية عموديا وأفقيا في كل البنيان الهرمي الطبقي لمجتمع الدولة.

استثمار الخارج لانكشاف الدولة العربية

استغلّ الخارج الدولي والاقليمي واقع انكشاف الدولة في المجال العربي، فوجد في ذلك الفرصة السانحة لتحقيق مشروعاته في الاختراق والاستثمار داخل هذا المجال، فقد سعى هذا الخارج الى إنتاج سلسلة من الجغرافيات السياسية الجديدة (كيانات دويلات) في المنطقة العربية راح يفصّلها على قياسات مصالحه ومشروعاته الجيوسياسية والاستراتيجية.

خلاصة واستنتاجات

تواجه الدولة المعاصرة في الوطن العربي تحدّيات ضاغطة وثقيلة دلّت عليها مظاهر الانكشاف والاخفاق على غير مستوى سياسي، اقتصادي، اجتماعي، ثقافي، تربوي وتطويري، الأمر الذي بات يهدّد المستقبل العربي، دولا ومجتمعات، وهو على مشارف نهاية الربع الأول، ودخول الربع الثاني من القرن الحالي (الحادي والعشرين)، في الوجود والبقاء والاستمرار.
أمّا معالجة موضوعية وعملية لهذا الانكشاف، ومساعدة الدولة العربية في كل الوطن العربي، على الخروج من مأزقها الوظيفي، ووضعها على سكّة التطور والنجاح والنهوض، فإنّما يكون باعتماد استراتيجية لإعادة صياغة الدولة من حيث الدور والوظيفة وفقا للمرتكزات الأربعة التالية:
الأول، دولة الحرية والمواطنة على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات لكل مواطنيها من غير تفرقة دينية مذهبية أو اثنية عرقية أو مناطقية.
الثاني، صياغة عقد اجتماعي جديد على أساس العدالة التوزيعية للدخل الوطني من جهة، وممارسة الديمقراطية التمثيلية الحقيقية عبر توسيع دائرة المشاركة الشعبية من جهة أخرى.
الثالث، التخلص النهائي من ثقافة الدولة التسلّطية القائمة على المحاصصة والمغانمية، والعبور، بخطى ثابتة، الى الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة والهويّة الوطنية والقومية معا.
الرابع، دولة عربية تؤسّس لنجاح تراكمي استراتيجي متواصل بدل أن تبقى أسيرة راكدة في دائرة العجز والانحطاط والانكشاف.

* باحث في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية