تحقيق: رامي ضاهر
لم يعد الحديث عن أزمة الشباب في لبنان مجرّد توصيف لمرحلة اقتصادية عابرة، بل تحوّل إلى تشخيص لواقعٍ وجودي يعيشه جيل كامل. جيلٌ نشأ على وعود التعليم والفرص، ليصطدم بوطنٍ ينهار اقتصادياً، ويتفكك اجتماعياً، ويعجز سياسياً عن توفير أبسط مقومات الاستقرار. بين بطالة متفشّية، وهجرة متسارعة، وضغطٍ نفسي خانق، يقف الشباب اللبناني اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في بلدٍ يستنزف طاقاتهم، أو الرحيل عنه بحثاً عن حياةٍ أكثر كرامة.
أزمة تتجاوز الاقتصاد
منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في لبنان عام 2019، دخل الشباب في مواجهة مباشرة مع واقعٍ قاسٍ تتداخل فيه البطالة، الهجرة، والانهيار النفسي والاجتماعي. فمع انهيار العملة الوطنية بأكثر من 90 في المئة من قيمتها، وارتفاع معدلات التضخم، وغياب الاستقرار السياسي، تقلّصت فرص العمل إلى حدٍّ غير مسبوق. وبات مستقبل جيلٍ كامل معلّقاً بين البقاء القسري داخل حدود بلدٍ مأزوم، أو الهجرة القسرية كخيار وحيد للنجاة.
أرقام صادمة عن البطالة
تشير تقديرات منظمات دولية كمنظمة العمل الدولية والبنك الدولي إلى أن معدّل البطالة العامة في لبنان تجاوز 30 في المئة خلال السنوات الأخيرة، فيما ارتفعت بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى ما بين 45 و50 في المئة. كما تُظهر دراسات سوق العمل أن عشرات آلاف الخريجين يدخلون سنوياً إلى سوقٍ عاجز عن استيعابهم، في ظل تقلّص القطاعات الإنتاجية، وإقفال عدد كبير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن البطالة في لبنان لم تعد ظرفاً مرحلياً مرتبطاً بالأزمة المالية فقط، بل أزمة بنيوية ناتجة عن غياب النمو، وانعدام السياسات الداعمة للتوظيف، واعتماد الاقتصاد على قطاعات ريعية وغير منتجة.
البطالة... حين تتحوّل
إلى أزمة نفسية
لا تقتصر تداعيات البطالة على الجانب المادي، بل تمتد بعمق إلى الصحة النفسية والاجتماعية للشباب. أخصائيون نفسيون يؤكدون أن البطالة الطويلة الأمد تؤدي إلى حالات قلق واكتئاب، فقدان الثقة بالنفس، الإحساس بالعجز وانعدام القيمة، وقد تدفع في بعض الحالات إلى سلوكيات خطرة.في هذا السياق، تروي طالبة جامعية كيف بدأت معاناتها بنوبات هلع داخل قاعة الامتحان نتيجة تراكم الضغوط الدراسية والنفسية، قبل أن تصل إلى مرحلة إيذاء النفس. وتشير إلى أن غياب الاحتواء والدعم داخل الجامعة، والاستخفاف بالانهيار النفسي، ساهما في تفاقم حالتها. هذه الشهادة تعكس واقعاً مسكوتاً عنه داخل عدد من المؤسسات التعليمية، حيث لا تزال الصحة النفسية ملفاً هامشياً لا يُقارب بالجدّية المطلوبة.
«أنا شابة بلا عمل»... كسر الطموح والكرامة
في شهادة أخرى، تعبّر شابة حاصلة على شهادة جامعية عن إحباطها بعد سنوات من الدراسة من دون أن تتمكّن من إيجاد وظيفة. تقول إن البطالة لم تحرمها فقط من الدخل، بل من الشعور بالدور والقيمة، خصوصاً في ظل الضغوط العائلية والاجتماعية المتزايدة. وتؤكد أن الأجور المعروضة، إن وُجدت، لا تكفي لتغطية تكاليف النقل، ما يجعل العمل نفسه عبئاً إضافياً بدل أن يكون باب خلاص.
التعاطي... هروب من واقعٍ خانق
يربط أخصائيون اجتماعيون بين تفاقم البطالة وارتفاع حالات التعاطي بين الشباب. عمر، أحد الشبان، يروي كيف بدأ التعاطي كوسيلة للهروب من الإحباط والضغط النفسي، قبل أن يتحوّل إلى إدمان في ظل غياب أي شبكة دعم حقيقية. ويؤكد مختصون أن هذه الظاهرة تشكّل إنذاراً خطيراً لانهيارات اجتماعية أعمق إذا لم تُعالج جذورها الاقتصادية والنفسية.
طلاب الجامعة اللبنانية: مستقبل بلا أفق
يعيش طلاب الجامعة اللبنانية ضغطاً مضاعفاً. مهدي، أحد طلاب كلية الإعلام، يصف البطالة بأنها لم تعد كلمة أو رقماً، بل همًّا يومياً وخوفاً دائماً، في ظل ارتفاع كلفة التعليم والمواصلات والطباعة، مقابل غياب فرص العمل. ويشير إلى أن الشباب باتوا يتحمّلون أعباءً كان من المفترض أن تتحمّلها الدولة، في وقت تبدو فيه الأخيرة غائبة عن معاناتهم.
الهجرة... خيار اضطراري لا حلم
في ظل هذا الواقع، تتزايد معدلات الهجرة بين صفوف الشباب. وتشير دراسات اجتماعية إلى أن أكثر من 35 في المئة من الشباب اللبناني يفكّرون جدّياً في الهجرة، فيما وضع عدد كبير منهم خططاً فعلية للمغادرة فور توافر الفرصة. وتقدّر جهات بحثية أن لبنان خسر منذ عام 2019 مئات آلاف الشبان من طاقاته الشابة والمتعلمة. ويحذّر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذا النزيف البشري يهدّد قدرة البلاد على التعافي، ويعمّق أزماتها على المدى الطويل.
آراء الخبراء: حلول غائبة ورؤية مطلوبة
يرى الباحث الاقتصادي والسياسي الدكتور بلال علامة أن معالجة أزمة الشباب تتطلّب رؤية وطنية شاملة تبدأ بإعادة تحريك الاقتصاد المنتج، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتأمين فرص عمل لائقة، وصولاً إلى إدماج الصحة النفسية ضمن السياسات العامة. ويؤكد أن إهمال الشباب قد يقود إلى نتائج أخطر بكثير من البطالة والهجرة، مشيراً إلى أن بعض الحالات قد تنزلق نحو الجريمة والانحراف الاجتماعي بعد مراحل من الكآبة والاضطراب النفسي.
من جهتها، توضّح الأخصائية النفسية عليا هارون صباغ أن البطالة تؤثر بعمق على الصحة النفسية والعاطفية للشباب اللبناني، إذ تخلق شعوراً بالعجز والإحباط وفقدان الهدف والثقة بالنفس، ما يزيد من معدلات القلق والعزلة الاجتماعية. وتشدّد على ضرورة توفير دعم نفسي واجتماعي منظّم لاحتضان طاقات الشباب بدل تركهم ينزلقون في دوامة اليأس.
أما الناشطة الاجتماعية عائدة خليل، فترى أن الشباب اليوم «ريشة في مهب الريح»، يواجهون ضغوط الحياة وحدهم، خصوصاً داخل الجامعات اللبنانية التي لا تراعي الواقع النفسي والاجتماعي للطلاب. وتشير إلى حالات طلاب تعرّضوا لانهيارات نفسية حادّة من دون أي متابعة جدّية، معتبرة أن تغييب الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية يشكّل خطراً حقيقياً على حياة الطلاب ومستقبلهم.
بين البقاء والرحيل
رغم سوداوية المشهد، لا يزال بعض الشباب يصرّ على البقاء، محاولاً خلق بدائل عبر مبادرات فردية ومشاريع صغيرة، إلّا أن هذه الجهود تبقى محدودة في ظل غياب الدعم الرسمي والسياسات الواضحة.
يقف الشباب اللبناني اليوم عند مفترق طرق حاسم: بين وطنٍ يضيق بأحلامهم، وخيار الهجرة الذي يبدو، لكثيرين، أقل قسوة من البقاء. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ينجح لبنان في إنقاذ شبابه قبل فوات الأوان، أم سيبقى بلداً يصدّر طاقاته ويستنزف مستقبله؟
الإجابة رهن بإرادة سياسية تعترف بأن الشباب ليسوا المشكلة، بل الضحية... والحل في آنٍ معاً.