نوال أبو حيدر
في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي يعيشها لبنان، أصبحت السياسات الضريبية محور اهتمام الرأي العام والخبراء الاقتصاديين على حد سواء. فالضرائب الاستهلاكية التي طالت جميع شرائح المجتمع باتت تثير جدلا واسعا حول العدالة الاجتماعية وأثرها على القدرة الشرائية للمواطن. وفي الوقت نفسه، يبرز قطاع عام مترهل يفتقد الكفاءة والهيبة، ما يزيد تعقيد مهمة الإصلاح وتحقيق التنمية المستدامة. هذا الواقع يضع الحكومة أمام تحدّ مزدوج: كيفية تمويل الرواتب والحفاظ على توازن الاقتصاد دون دفع الفئات الهشة نحو مزيد من الانكماش. من هنا تأتي أهمية قراءة نقدية وتحليلية للسياسات الضريبية وآثارها على التضخم، القطاع العام، وثقة المواطن بالدولة.
الضريبة التنازلية وأزمة العدالة
تحت هذا العنوان العريض، يقول الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والإجتماعي أنيس أبو دياب لصحيفة «اللواء» إنه «بلا أدنى شك، فإن الإجراءات الضريبية المتخذة أخيرا تضع المجتمع بأسره أمام عبء ضريبة استهلاكية تطال الجميع من دون تمييز بين مستوى دخل وآخر. فهي تفرض على الاستهلاك اليومي، ما يعني أن العامل في القطاع الخاص كما الموظف في القطاع العام يدفعان الكلفة نفسها عند الشراء، لتتحول هذه الإيرادات في جانب أساسي منها إلى تمويل رواتب القطاع العام التي تضاعفت مرات عدة».
ويتابع: «الضريبة الاستهلاكية بطبيعتها ضريبة تنازلية، لأنها تصيب الجميع بالنسبة نفسها ظاهريا، لكنها عمليا تقتطع حصة أكبر من دخل الفئات الأكثر هشاشة. ذوو الدخل المتوسط والمحدود ينفقون معظم مداخيلهم على الاستهلاك، وبالتالي يتحملون العبء الأكبر مقارنة بذوي الدخل المرتفع. وعندما نتحدث عن واقع يشكل فيه نحو 40% من اللبنانيين طبقة وسطى، ونحو 40% أخرى ضمن دائرة الفقر، فإننا نتحدث عن 75% إلى 80% من المجتمع يتحملون الكلفة الفعلية لهذه السياسات. هنا تحديدا تكمن أزمة العدالة الضريبية».
مخاطر التضخم والركود
وفي سياق متصل، يرى أبو دياب أنه «فعليا، لا يمكن فصل هذه الضريبة عن تداعياتها التضخمية. فعندما تطال نحو 60% من الفاتورة الاستهلاكية، فإننا نتحدث مبدئيا عن أثر مباشر قد يرفع معدل التضخم بنحو 1.5%. غير أن التأثير لا يتوقف عند هذا الحد. فالقطاعات الاقتصادية تعتمد بنسبة تقارب 70% على المحروقات، وهي سلعة احتكارية غير مرنة ولا بدائل فعلية لها، ما يعني أن أي زيادة في كلفتها ستنتقل حكما إلى أسعار السلع والخدمات عبر ما يُعرف بانتقال الكلفة».
ويضيف: «بهذا المعنى، قد يرتفع المؤشر العام لأسعار الاستهلاك بنسبة تتراوح بين 3% و5%. والنتيجة أن أي زيادة في الأجور بنسبة 20% مثلا ستفقد تلقائيا نحو 5% من قيمتها الفعلية بسبب التضخم، فيما تتآكل القدرة الشرائية بالكامل لدى من لم تشملهم أي زيادات».
ويشدّد على أن «الأخطر أن هذا المسار قد يعيق النمو الاقتصادي، ويدفع نحو سيناريو ركود تضخمي تتباطأ فيه الحركة الاقتصادية بالتوازي مع ارتفاع الأسعار. وعندها، ستتراجع تلقائيا توقعات جباية الضريبة نفسها نتيجة انكماش الاستهلاك، ما يفتح الباب أمام معضلة تمويلية جديدة تستدعي إعادة النظر في مصادر الإيرادات والخيارات المتاحة».
أولوية إصلاح القطاع العام
وأمام كل تلك المعطيات، يوضح أبو دياب أنه «كان يفترض بحكومة ترفع شعار الإصلاح أن تضع إصلاح القطاع العام في صدارة أولوياتها، وأن تتعامل معه كملف سيادي لا يقل أهمية عن بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. فحجم الترهل الذي أصاب هذا القطاع، وتراجع إنتاجيته، لم يعودا مسألة إدارية فحسب، بل تحولا إلى أزمة ثقة تمس صورة الدولة وهيبتها».
ويتابع: «المفارقة أن عناصر القطاع العام يمتلكون كفاءات جيدة، إلّا أن هيبة الإدارة تآكلت بفعل تراكمات متعددة منذ عام 2019، مرورا بالأزمة المالية، وصولا إلى انفجار مرفأ بيروت وتعطل عدد من المؤسسات، لا سيما العقارية منها. هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى شلل إداري وإضعاف قدرة الدولة على تقديم خدماتها بفعالية».
من هنا، يلفت أبو دياب أنه «لم يكن المطلوب الاكتفاء بتحسين سلسلة الرتب والرواتب بمعزل عن إصلاح بنيوي، بل كان يفترض أن تسير زيادة الأجور بالتوازي مع إعادة تأهيل شاملة للقطاع العام: تحديث الإدارة، ضبط الإنتاجية، تفعيل الرقابة، واستعادة الانتظام المؤسسي. كذلك، لا يمكن فصل هذا المسار عن ضرورة إعادة النظر في سياسات الجباية والنظام الضريبي ككل، بما يحقق عدالة أكبر ويؤمن موارد مستدامة من دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية تعمّق أزمته».
أزمة الثقة والضمانات
أما في ما يتعلق بالضمانات الفعلية لاستخدام الإيرادات الإضافية في تحسين أداء القطاع العام وزيادة إنتاجيته، لا في تكريس الخلل القائم، فالصورة تبدو ضبابية. وكخبير اقتصادي، يقول أبو دياب إنه «لا يمكن تقديم ضمانات تقنية بحتة في هذا الشأن، لأن المسألة تتجاوز الأرقام إلى مستوى الثقة بالحكومة والسلطة السياسية. المشكلة أن هذه الثقة شهدت تراجعا ملحوظا، بفعل سلسلة أخطاء ارتكبت في التعيينات، وفي مقاربة فرض الضرائب، وفي تمرير قرارات في غير توقيتها أو سياقها المناسب. وهذا ما يضع أي وعود بإصلاح أو تحسين موضع تشكيك مشروع لدى الرأي العام».
ويضيف: «استعادة الثقة لا تتحقق بالتصريحات، بل بخطوات عملية وشفافة تعيد بناء صدقية القرار العام. وربما تكون الحاجة اليوم إلى إجراءات إصلاحية واضحة المعالم، تسبق الجباية أو تتزامن معها، وتؤكد أن أي تمويل إضافي سيستخدم حصرا لتحسين الرواتب والأجور ورفع الإنتاجية. حتى ذلك الحين، لا يمكن الجزم بأن الأموال الجديدة ستذهب فعلا إلى الإصلاح المنشود، بدل أن تستهلك في معالجة اختلالات مزمنة من دون تغيير جوهري في الأداء».
توازن التمويل وحماية المواطن
في خلاصة الأمر، يعتبر أبو دياب أن «تحقيق التوازن بين حاجة الدولة إلى تمويل الرواتب وضرورة الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن يشكّل أولوية لا تقل أهمية عن أي إجراء مالي آخر. فقبل اللجوء إلى تحميل المجتمع أعباء إضافية، يفترض بالدولة أن تبادر إلى خطوات جريئة تعزز القدرة الشرائية وتخفف كلفة المعيشة، عبر خفض كلفة الحاجات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، وتحسين خدمات الاتصالات والإنترنت، فضلا عن دعم التعليم الرسمي بما يخفف الأعباء عن الأسر. فكل تحسن في هذه القطاعات ينعكس مباشرة على مستوى الإنفاق الأسري ويعيد بعض التوازن إلى معادلة الدخل والأسعار».
ويختم: «في المقابل، لا يمكن تجاهل واقع تفلت الأسعار في الأسواق، حيث يستغل بعض التجار أي متغير مالي أو ضريبي لرفع الأسعار بنسب تفوق الكلفة الفعلية. صحيح أن الاقتصاد اللبناني قائم على نظام ليبرالي حر، إلا أنه في الوقت نفسه سوق صغير يميل إلى الاحتكار، ما يحدّ من المنافسة الفعلية. من هنا، تقع مسؤولية مضاعفة على عاتق الإدارات المعنية لضبط الأسعار ومراقبة الأسواق بفعالية، كما أن على التجار التحلي بأخلاقيات مهنية تضع المصلحة العامة في الاعتبار، خصوصاً في مرحلة دقيقة تتطلب قدراً عالياً من المسؤولية الوطنية».