بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 آب 2025 12:00ص القرض الحسن والسيادة النقدية: بين تهديد التمويل الموازي وإمكانات الإصلاح المصرفي

حجم الخط
د. هنا عرابي

لم يعد النقاش حول جمعية «القرض الحسن» مسألة مالية بحتة، بل تحوّل إلى ملف سيادي يضع الدولة اللبنانية أمام خيار مصيري: إما استمرار شبكات التمويل الموازي، وإما تعزيز السيادة النقدية في ظل أزمة ثقة بالمصارف منذ عام 2019.

حجم وانتشار الجمعية

تأسست الجمعية عام 1987، وقدّمت حتى 2025 قروضاً مضمونة بالذهب أو بضمانات خاصة تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار، استفاد منها نحو 1.9 مليون شخص عبر 30 فرعاً. ورغم حجمها، بقيت تعمل خارج الرقابة المصرفية الرسمية، خصوصاً مع انهيار النظام المالي التقليدي.

من العقوبات إلى الحظر الداخلي

في 3 يوليو 2025 فُرضت عقوبات على مسؤولين في الجمعية بتهمة تمويل أنشطة حزب الله. ثم أصدر مصرف لبنان في 15 يوليو تعميماً يحظر التعامل معها بشكل مباشر أو غير مباشر، استجابة لضغوط دولية في إطار مكافحة تمويل الإرهاب. مثّل هذا القرار نقطة تحوّل، كونه يستهدف مؤسسة مالية ظلّية مرتبطة ببنية موازية.

الإصلاحات المالية الأوسع

لم يقتصر المشهد على القرض الحسن. ففي أبريل 2025 أقرّ لبنان قانون إصلاح مصرفي شامل من 39 بنداً تضمّن:
- حماية صغار المودعين وضمان حقوقهم.
- إعادة هيكلة المصارف المتعثرة.
- تعديل السرية المصرفية بأثر رجعي حتى 2015.
- تعزيز معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
جاءت هذه الإصلاحات تحت ضغط صندوق النقد الدولي الذي ربط أي دعم مالي بتطبيقها، وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي علّق الإفراج عن 500 مليون يورو عليها. وفي يونيو 2025 أنهى صندوق النقد بعثة تفاوضية إلى بيروت شدّد فيها على ضرورة التطبيق الفعلي.
كما شملت التعديلات القانونية توسيع صلاحيات وزارة الداخلية لمعاقبة الجمعيات المخالفة، بما في ذلك القرض الحسن، ومنح السجل التجاري والجهات الرقابية صلاحيات إضافية لضبط الشركات والأوقاف، وفرض عقوبات صارمة تصل إلى السجن والغرامات الباهظة على المتورطين في عمليات غسل الأموال.

السيادة المالية والأمنية

جاء تعميم مصرف لبنان بالتوازي مع قرار حكومي بحصر السلاح بيد الدولة، في خطوة عكست ارتباط البعدين المالي والأمني. فالسيطرة على التمويل الموازي لا تقلّ أهمية عن ضبط السلاح، إذ تكرّس احتكار الدولة للقرارين المالي والعسكري معاً وتحدّ من قيام سلطات بديلة.

من التحدّي إلى الفرصة

القرض الحسن يطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن تحويل التحدّي إلى فرصة لإعادة الثقة بالقطاع المالي؟
الاعتراف بالواقع: لا يمكن تجاهل اعتماد آلاف الأسر اللبنانية على خدمات الجمعية، ما يستدعي إدماجها تدريجياً ضمن الإطار القانوني عبر تراخيص أو شراكات.
حماية المودعين: ينبغي وضع آليات لضمان حقوق عملاء الجمعية في ظل احتمال العقوبات أو تجميد الأصول.
تعزيز الشفافية: الإصلاحات في السرية المصرفية وربط المساعدات الدولية بالحوكمة يتيحان مجالاً لإخضاع مؤسسات كهذه للرقابة الرسمية.
استثمار اللحظة السياسية: خطوة مصرف لبنان في يوليو 2025 يمكن أن تشكّل قاعدة لتوسيع سلطة الدولة على الأنشطة المالية غير الرسمية، وتأكيد التزام لبنان أمام المجتمع الدولي.

نحو مقاربة أكثر واقعية

مسؤولية مصرف لبنان تتجاوز حماية النظام المالي إلى موازنة العلاقة بين التمويل الموازي والمصلحة الوطنية. وعليه، فإن إدماج القرض الحسن وتشديد الرقابة عليه يبدو خياراً عملياً أكثر من حظره أو سحب ترخيصه، لكونه:
- يحافظ على الاستقرار المالي والاجتماعي.
- يعيد جزءاً من الاقتصاد الموازي إلى الرقابة الرسمية.
- يعزز السيادة النقدية ويحدّ من تغوّل اقتصاد الظل.

البُعد الرمزي والسياسي

لم يعد القرض الحسن مجرد جمعية قروض صغيرة، بل تحوّل إلى رمز للصراع بين الاقتصاد الرسمي والموازي، باعتباره أحد أذرع تمويل حزب الله. ورغم المخاطر، يمكن أن يمهّد الحظر للتأسيس لقطاع مصرفي أكثر شفافية، شرط ضمان حقوق العملاء وإعادة بناء ثقة اللبنانيين بالمصارف.
غير أن واقع «دولة الظل» في لبنان، المدعوم بالفساد المتأصّل، جعل المواطنة انتقائية لا شاملة، وقلّل من ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها. في هذا السياق، يمثّل القرض الحسن مزيجاً بين الاقتصادي والسياسي - الأمني، ما يعقّد موقعه في معركة السيادة النقدية.
يبقى السؤال الجوهري: في وقت يسعى فيه مصرف لبنان لضبط التمويل الموازي، لماذا عجز النظام المصرفي الرسمي عن حماية ودائع اللبنانيين من الخسائر والانكماش؟