قضي الأمر، وعيّن كريم سعيد الحاكم الخامس لمصرف لبنان.. فقرّر مجلس الوزراء تعيين كريم سعيد حاكماً للمصرف المركزي، بعدما حصد 17 صوتاً من أصل 24، حيث ترأس الجلسة بالقصر الجمهوري الرئيس جوزاف عون، ودارت المنافسة بين 3 شخصيات، طرحها وزير المالية ياسين جابر، وهم كريم سعيد، وإدي الجميل، وجميل باز.
إذ منذ استحداث هذا المنصب عام 1963 بعد إقرار قانون النقد والتسليف، تعاقب عليه أربعة أشخاص هم فيليب تقلا (1964-1965)، وإلياس سركيس (1967-1976)، وميشال خوري (1977-1985)، وإدمون نعيم (1985-1990)، وفي عام 1993 وبقرار من رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري، آل المنصب إلى رياض سلامة الذي أدى القسم أمام الرئيس إلياس الهراوي، لكنه على خلاف أسلافه الأربعة مكث في منصب الحاكم 30 عاماً جُدّد له خلالها أربع مرات ليصبح صاحب أطول ولاية لحاكم بنك مركزي في العالم.
لكن تعيين سعيد حاكماً «للمركزي» جاء بوليدة «قيصرية»، وذلك بسبب الخلافات العميقة بين رئيسي الجمهورية والحكومة على اسم الحاكم، حتى بلغ الأمر تسريب معلومات عن تلويح الرئيس نواف سلام بالإستقالة، في عملية ضغط على الرئيس جوزاف عون للعدول عن تبنيه ترشيه سعيد، وذلك خلافاً للتعيينات الأمنية التي إتسمت بالسلالة بين الرئاستين الأولى والثالثة.
وسبق ذلك، حملة كبيرة ومنظمة تعرّض لها سعيد قبل أسبوعين، واتهامه بأنه مرشّح المصارف، ويرفض اي اتفاق مع صندوق النقد الدول وأنه يفتقد للدعم الخارجي، تحديداً الأميركي والسعودي.
وطيلة هذه الفترة عمل الرئيس عون على التواصل مع الأميركيين والسعوديين لتأمين الغطاء الخارجي له، كما أجرى الحديث عن تفاهم سياسي شمل ثنائي أمل وحزب الله والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، ما صعّب الأمر على سلام، الذي لمس رئيس الحكومة أن حظوظ سعيد مرتفعة داخليا وخارجيا، من خلال ووقوف واشنطن والرياض خلف رئيس الجمهورية بقوة على حساب رئيس الحكومة، فضلاً عن تمكن عون من تأمين عدد أصوات الوزراء اللازم، في حال اللجوء الى التصويت، حيث تؤكد مصادر رئاسية أن الرئيس عون يرفض بقاء منصب بهذه الأهمية شاغراً مع دعم كامل لتعيين حاكم لمصرف لبنان قبل نيسان المقبل للمشاركة في اجتماعات البنك الدولي المقررة في العشرين منه.
وبعد الجلسة، صرّح رئيس الحكومة نواف سلام قائلا: إن «سعيد لم يكن مرشحي لعدد من الأسباب في ظل حرصي على حقوق المودعين وقد تحفّظت على تعيينه والأهم هو أن الحاكم أيا كان ومهما كانت التحفظات عليه أن يلتزم السياسة المالية لحكومتنا لجهة التفاوض على برنامج جديد مع صندوق النقد وإعادة هيكلة المصارف حفاظاً على الحقوق».
بعيداً حيثيات وتداعيات التعيين، يبقي السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا سعيد؟
بداية، تجدر الإشارة إلى كشف «الهوية» المهنية لسعيد، فهو شغل منصب عضو مجلس إدارة في بنك الإمارات ولبنان، الذي يترأسه فاروج نيركيزيان (المستشار المالي لرئيس الجمهورية)، إضافة إلى ذلك، يُعدّ سعيد مؤسسا وشريكا إداريا في شركة «Growthgate Capital» الإماراتية، (يشغل نيركيزيان أيضا منصب عضو مجلس إدارة إلى جانب ماهر نجيب ميقاتي).
ويُعتبر سعيد أحد الأسماء البارزة المرتبطة بـ«خطة هارفارد»، وهي المبادرة التي مولتها «Growthgate Capital» لوضع حلول للأزمة الاقتصادية في لبنان.
وقد أثارت الخطة جدلا واسعا، خاصة في ما يتعلق بتحويل الودائع المصرفية إلى ديون على الدولة، وهو ما قوبل بانتقادات من قبل المودعين، بينما حظي بتأييد كبير من جمعية المصارف اللبنانية.
كذلك فإن سعيد يعتبر مهندس الخصخصة الرقمية، ويُمثل أحد الوجوه البارزة لجيل جديد من الخبراء الماليين التكنوقراط، الذين قد يسرّعون اندماج لبنان في الأسواق المالية العالمية.
بناءً على فكره وتوجهاته الاقتصادية والمالية، فإن تعيين سعيد يخدم واشنطن من خلال:
- من دعاة الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs) التي ستنقل بنية لبنان التحتية إلى المستثمرين الأجانب.
- يدعم المبادرات المتعلقة بالعملات الرقمية التي تتوافق مع سياسات وزارة الخزانة الأميركية وFATF في مراقبة الأنظمة المالية.
- سيساهم في تعزيز دور لبنان كمركز مالي يدور في فلك وزارة الخزانة الأميركية.
وهنا يجب العودة إلى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (WINEP) الذي لم يتعامل مع الانهيار المالي في لبنان كأزمة تستدعي تدخلاً إنقاذيا، بل اعتبرها فرصة لإعادة توجيه المسار السياسي والاقتصادي للبلاد. في دراسة لـ «مركز الدفاع عن الديمقراطيات» بعنوان «الأزمة في لبنان: تشريح الانهيار المالي»، تم وضع خارطة طريق لتدخل صندوق النقد الدولي حيث أكد التقرير بوضوح أن «إنقاذ لبنان يستلزم خصخصة واسعة النطاق، وإلغاء الدعم، وإعادة هيكلة الديون بما يضمن أولوية السداد للدائنين الأجانب، بينما يتحمّل المواطن اللبناني العادي العبء المالي». كما أوصى بضرورة أن تستغل واشنطن نفوذها على القطاع المالي اللبناني لضمان أن تتماشى أي حزمة إنقاذ مالي أو إعادة هيكلة اقتصادية مع المصالح الاستراتيجية الأميركية. كذلك، تتضمن خطة إعادة الهيكلة التي وضعها صندوق النقد الدولي للبنان بنودا قد تسهل تبادل الغاز مقابل الديون، مما يعني استخدام الموارد الطبيعية للبنان كضمان لصالح الدائنين الدوليين.
إذا تمكّنت السلطة التنفيذية من تجاوز «الإنفجار» السياسي، جراء الضغوطات الخارجية لعدم تعثر العهد في بداية إنطلاقته (ظاهرياً)، ولفرض «أجندته» المالية والاقتصادية (ضمنياً)، هل ستتمكن الدولة عند الشروع في مناقشة وإقرار خطط الإصلاح والتعافي الاقتصادي والمالي، وفقاً لإملاءات وقيود البنك الدولي، من تجنب إنفجاراً من نوع آخر، خصوصاً وأن على رأس المصالح الإستراتيجية الأميركية، عزل حزب الله ماليا وزيادة اعتماد لبنان على المؤسسات المالية الدولية