د.أيمن عمر
مسار النمو العالمي
تشير أحدث تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الاقتصاد العالمي يسير في مسار تباطؤ واضح خلال عام 2025. فقد خفّض البنك الدولي توقعاته للنمو إلى نحو 2.3% مقارنة ب 2.9% عن العام السابق، وهو أدنى معدل يسجَّل منذ عقود خارج فترات الركود الكبرى.
بينما تتوقع الأمم المتحدة أن يبلغ النمو 2.4% فقط، مقارنة بـ2.9% في عام 2024. أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فتتوقع استمرار التباطؤ من 3.3% في 2024 إلى 2.9% في 2025 و2026، مشيرة إلى أن ثقة الأعمال والمستهلكين تتأثر سلبًا بالتوترات التجارية والضبابية السياسية. هذه المؤشرات تكشف أن العالم لم يعد يتعافى بالزخم نفسه الذي شهده في أعقاب جائحة كوفيد-19، وأن دورة النمو الحالية تواجه تحديات هيكلية أعمق من مجرد تراجع ظرفي.
العوامل المؤدية لتباطؤ النمو:
1- رتفاع معدلات التضخم:
شهدت معظم الاقتصادات الكبرى ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم خلال عامي 2023 و2024، حيث بلغ التضخم في منطقة اليورو نحو 5.5% وفي الولايات المتحدة حوالي 3.3% في منتصف 2024، مقارنة بمستويات أقل من 2% قبل جائحة كوفيد-19. هذا الارتفاع دفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية متشددة، ما أثر على النشاط الاستثماري والاستهلاك.
2- تشديد السياسات النقدية:
قام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة إلى نطاق 5.25%-5.50%، وهي أعلى مستويات منذ 22 عامًا، بهدف احتواء التضخم. تبعته بنوك مركزية أخرى حول العالم، ما أدى إلى تراجع الإقراض وزيادة كلفة التمويل على الشركات والأفراد.
3- التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية:
الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ 2022 أدت إلى تعطّل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا. كما أن التصعيد في الصراع الأمريكي-الصيني في مجال التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية فاقم حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
4 - تباطؤ الاقتصاد الصيني:
الصين، التي كانت تمثل محركًا رئيسيًا للنمو العالمي، سجلت نموًا أقل من المتوقع في 2024، حيث لم يتجاوز 4.7%، متأثرة بأزمة العقارات وتراجع الصادرات. هذا التباطؤ انعكس على الطلب العالمي على السلع الأساسية والطاقة.
5 - انخفاض التجارة العالمية:
شهدت التجارة العالمية تراجعًا ملموسًا في السنوات الأخيرة، يعود ذلك أساسًا إلى ضعف الطلب العالمي نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى، إلى جانب تزايد سياسات الحمائية التجارية وتطبيق تعريفات جمركية جديدة من قبل عدة دول، مما أدى إلى زيادة تكاليف الاستيراد والتصدير وعرقلة سلاسل التوريد العالمية.
6- أزمة الديون في الدول النامية:
ارتفعت ديون الأسواق الناشئة إلى أكثر من 98% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، وفق بيانات البنك الدولي، مما حدّ من قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
التداعيات على الاقتصادات العالمية:
1- تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)
شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الأسواق الناشئة انخفاضًا حادًا بنسبة 12% خلال عام 2024، وفق تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). تأثرت بشكل خاص مناطق إفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب عدم الاستقرار السياسي، وتدهور أسعار السلع الأساسية، والتحديات الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، مما أدى إلى تقليل قدرة هذه الدول على جذب رؤوس الأموال الأجنبية الضرورية للنمو الاقتصادي والتنمية.
2- ارتفاع معدلات البطالة
تفاقمت مشكلة البطالة بشكل كبير في العديد من الاقتصادات النامية، حيث سجلت معدلات بطالة تجاوزت 15% في بعض الدول، خاصة بين الشباب والنساء. هذا الارتفاع في البطالة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمثل تهديدًا اجتماعيًا وسياسيًا حادًا، إذ يفاقم الاحتقان الشعبي ويزيد من احتمالات الاحتجاجات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي، ما ينعكس سلبًا على بيئة الاستثمار والنمو المستدام.
3- تدهور مؤشرات التنمية البشرية
مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة، لجأت العديد من الدول النامية إلى تقليص الإنفاق العام، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم، مما أدى إلى تراجع مؤشرات التنمية البشرية. فعلى سبيل المثال، سجلت تقارير البنك الدولي انخفاضًا في معدلات الالتحاق بالمدارس الأساسية بنسبة 4% في بعض الدول الأفريقية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كما شهدت معدلات وفيات الأطفال وزيادة في حالات سوء التغذية. هذه التدهورات تهدد المكاسب التنموية التي تحققت خلال العقود الماضية وتزيد من دوامة الفقر وعدم المساواة.
التوصيات والسياسات المقترحة
1- تبنِّي سياسات نقدية مرنة: تواجه البنوك المركزية تحديًا صعبًا بين السيطرة على التضخم المرتفع ودعم النمو الاقتصادي. مثلاً، ارتفع معدل التضخم في الاقتصاديات المتقدمة إلى متوسط 6.5% خلال 2023، مقارنة بالمستهدف 2%. لذلك، يوصى بتخفيف وتيرة رفع أسعار الفائدة تدريجيًا عند ملاحظة تباطؤ التضخم دون تهديد النمو. كما يمكن للبنوك استخدام أدوات نقدية بديلة مثل عمليات السوق المفتوحة الموجهة لدعم السيولة في القطاعات المتضررة، ما قد يساعد في تقليل معدلات البطالة التي وصلت في بعض الدول إلى أكثر من 12%.
2- تعزيز الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر: وفق تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA)، فإن الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة يجب أن تتضاعف إلى حوالي 4 تريليونات دولار خلال العقد القادم لتحقيق أهداف المناخ. إنشاء مشروعات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبنية التحتية المستدامة يمكن أن يوفر أكثر من 30 مليون فرصة عمل جديدة بحلول 2030، خصوصًا في الدول النامية، كما أنه يحفز النمو طويل الأجل ويقلل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، ما يحسن ميزان المدفوعات ويعزز الأمن الطاقي.
3- تنويع سلاسل الإمداد: أظهرت أزمة كورونا وأزمة الحرب في أوكرانيا هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، حيث انخفضت إمدادات بعض السلع الأساسية بنسبة 25% في فترات الذروة. بالتالي، من الضروري تقليل الاعتماد على عدد محدود من الموردين، خصوصًا في قطاعات حيوية كالإلكترونيات والمواد الغذائية. يمكن تحقيق ذلك عبر تطوير قدرات الإنتاج المحلية أو التنويع الجغرافي للمصادر، مما يقلل من مخاطر الانقطاعات التي تؤثر سلبًا على الإنتاج والتوظيف.
4- إصلاح النظام المالي الدولي: وفقًا لصندوق النقد الدولي، تواجه الدول منخفضة الدخل ديونًا خارجية تمثل حوالي 60% من ناتجها المحلي الإجمالي، ما يعيق قدرتها على تمويل الإنفاق التنموي. لذلك، يجب دعم مبادرات تخفيف أعباء الديون، بالإضافة إلى توسيع التمويل الميسر والموجه للمشروعات الإنتاجية في القطاعات الحيوية. هذا من شأنه أن يعزز النمو ويقلل من المخاطر المالية التي تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
5- تعزيز التعاون الدولي: أدت النزاعات التجارية إلى فرض تعريفات جمركية إضافية تزيد عن 300 مليار دولار سنويًا.
لذلك، من الضروري معالجة هذه التوترات عبر القنوات الدبلوماسية وإعادة تفعيل دور منظمة التجارة العالمية كمنصة أساسية لتسوية النزاعات. تعزيز التعاون التجاري والاستثماري يساهم في استقرار الأسواق وتقليل تكلفة التجارة، مما يدعم النمو العالمي ويحد من المخاطر الاقتصادية والسياسية.
6- دعم الاستثمار وتنمية القدرات الإنتاجية: يتطلب تعزيز النمو رفع ثقة القطاع الخاص عبر تحفيز بيئة الأعمال، تقليل البيروقراطية، وتنفيذ إصلاحات هيكلية لتعزيز الابتكار والاستثمار المستدام.
الخاتمة
يشير تراجع النمو الاقتصادي العالمي إلى تحديات كبيرة تواجهها الدول بمختلف مستوياتها. تتطلب هذه المرحلة إعادة تقييم السياسات الاقتصادية لتكون أكثر مرونة وقادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية السريعة. كما يصبح من الضروري تعزيز التعاون الدولي وتنويع مصادر النمو لضمان استقرار الأسواق وحماية الاقتصادات من الصدمات المستقبلية. النجاح في هذه الجهود يعتمد على تطبيق سياسات مدروسة تراعي خصوصيات كل منطقة، وتحقيق بيئة سياسية عالمية آمنة تخفض من حدّة التوترات والصراعات العاليمة، وتعمل على دعم التنمية المستدامة وتحقيق رفاهية الشعوب.
بهذا الشكل، يمكن للعالم أن يتجاوز مرحلة التباطؤ الحالية ويعود إلى مسار نمو مستدام وشامل.
أكاديمي وباحث اقتصادي