يُعتبر التفاح العكاري من أجود أنواع التفاح في العالم بفضل زراعة أشجاره على ارتفاعات عالية والفارق الكبير في درجات الحرارة بين النهار والليل، ما يمنحه جودة في الشكل والطعم.
وللتفاح في جرد عكار قصص شعبية تاريخية مهضومة، ففضلا عن ان التفاحة هي ثمرة الإغواء فان الصبايا يَشْكونَ للتفاح همومهن، وجاء في أدبنا الشعبي ان صبية كاملة عناصر الحسن والأدب والعلم والنسب تأخّر نصيبها بالزواج فدخلت بستان التفاح وقالت له: «يا تفاح جئتك خاطبة طالبة فلا تردّني خائبة». وما ان عادت الى منزل أهلها حتى وجدت العريس ينتظرها. والصبية التي تشاهد في حلمها التفاح فانها تُرزق بعريس من المقام العالي لأن التفاح يعيش في مناطق عالية.. والعديد من القصص الشعبية حول التفاح، ومربياته هي حلويات الشتاء اللذيذة.
وبالعودة الى تفاح عكار فان موسمه هذا العام يعطي نصف محصوله المعتاد بفعل عوامل الطقس وقلّة خبرة المزارعين في استعمال المبيدات اللازمة أو غير المفيدة.
والدولة للأسف غير قادرة على معونة الفلاحين في السهل والجرد والمزارع متروك لرحمة ربه. ولو كانت الدولة في وضع أفضل، لكانت قادرة على دعم المزارعين بشراء المحصول وتصديره من خلال المشاركة في المعارض الدولية، وإعادة تفعيل دعم التصدير، وفتح قنوات تفاوض مع الدول المستوردة لإزالة العوائق، وتسهيل عمليات التصدير، ما يعزز موقع التفاح اللبناني في الأسواق الخارجية، ولكن لا حياة لمن تنادي، ومحصول التفاح الحالي لا يردّ بدل أتعابه وكلفته، وعليه فان عشرات المزارعين هجروا بساتينهم وراحوا الى زراعات بديلة، ولكن تبقى شجرة التفاح في لبنان صامدة وقوية وهي أحد القطاعات الحيوية الرافدة للاقتصاد الوطني رغم حاجتها الى الدعم المستدام لتحقيق النجاح.
كما يقول المزارع مصطفى ضاهر ان موسم التفاح هبة من ربنا ونسبة الإنتاج أيضا هي رزقة من ربنا، فهناك بساتين لم تعطِ حبة تفاح واحدة وهناك جنينات متوسطة الإنتاج وغيرها ما شاء الله مملؤة بثمر التفاح ويمكن الاعتبار ان الموسم يعطي خمسين بالمئة من الإنتاج هذا العام والمشكلة الأساسية هي في صعوبة تسويق التفاح وتصديره الى خارج لبنان حتى يباع بأسعار جيدة، وإذا لم يبع قفص التفاح من 15 دولارا وما فوق فهذا يعني الخسارة المؤكدة. وأضاف ضاهر: تعود نسبة تدنّي الإنتاج الى جهل المزارع في التعامل مع المبيدات ورشّها بالوقت المناسب، فضلا انه يستعمل الأسمدة الأرخص ويجب أن تكون تلك الأدوية أصلية وغير مغشوشة، ولرشّها أوقات وظروف مناخية يجب الالتزام بها. فالمزارع يعمل بتوجيهات تاجر الأسمدة، والتاجر يريد الربح ببيع الأدوية الزراعية ولا يبالي بأمر الفلاح وموسمه. ثم ان المزارعين يتسابقون على بيع تفاحهم بلا التزام بسعر موحّد لقفص التفاح فالحاجة السريعة للمال تدفعه للبيع بسعر متدنّي.
ويقول المزارع عبد الناصر قدور ان موسم التفاح هو المورد الاقتصادي الرئيسي لجرد عكار كله وإذا لم يصدّر الى خارج لبنان تحصل الخسارة المؤكدة في الموسم فأقلّ من ١٥ دولارا للقفص لا يردّ المزارع مصاريفه أبدا بسبب تعبه وأمواله التي دفعها على الاهتمام بالأرض والشجر من حراسة وتشحيل وأدوية زراعية وكلها بالدين على أمل أن يسدّدها عند قطاف الموسم، ولما صارت كلفة الاهتمام بالبساتين غالية وغير مربحة هجر المزارعون بساتين التفاح وراحوا الى غير زراعات وهو أمر سيئ، فالتفاح شغلتنا ومورد رزقنا الأساسي وعلى الدولة مساعدتنا لا بل أن تفرض علينا العمل بالتفاح وعدم إتلاف البساتين والاستمرار بتجديد زراعة أشجار التفاح حتى يرتفع الإنتاج لتزويد المستهلك بثمر التفاح في الداخل والخارج.
واعتبر حسان الشعار ان شجرة التفاح شجرة مباركة في عكار وهي قديمة الوجود في بلادنا ولها تاريخ طويل عريض، وللأسف صار المزارع يتركها ويهمل بساتينها بسبب الخسائر المستمرة عام بعد عام. فالمزارع يتبع تحصيل عيشه الأسهل من وظيفة ومهنة وحرفة حتى يتمكّن من توفير العيش اللائق لأسرته من تعليم ومتطلبات حياتية يومية. وحول هذا الموسم الحالي، قال الشعار: أصاب بساتين التفاح مرض النقشة فانضرب الموسم بنسبة خمسين بالمئة، ونأمل من دولتنا الكريمة تعويض الحد الأدنى على المزارعين وإيجاد أسواق محلية وخارجية لتصريف التفاح بأسعار توفّر للمزارع بعض الأرباح التي تعوّضه عن خسارته بنسبة الإنتاج المتدنية.
وقال المختار ذو الفقار الزين: يعتمد المزارعون في منطقتنا والبلدات المجاورة كليا أو جزئيا على زراعة التفاح والمزروعات الصيفية، وكما تعلمون فان جميع هذه الموارد في جرد عكار تعرّضت لأضرار متنوعة مناخية وبشرية جعلت المزارع في ضيق شديد غير مسبوق وهو على أبواب مواسم المدارس والتموين والتدفئة فصارت أمورهم محزنة وموجعة. والمزارعون بحاجة لدعم فوري من كل الأنواع ليستمروا، وعلينا الحفاظ عليهم وتسهيل معيشتهم. وأضاف: هناك عشرات مزارعي التفاح هجروا بساتينهم بسبب الخسائر المتراكمة والدين عليهم للتجار، ويباس الأشجار عاما بعد عام جعل القطاع إلى اضمحلال، لذلك نناشد الدولة بقوة أن تبادر إلى خطة إنقاذية طارئة، فالجوع والبرد والمتطلبات لا تنتظر أحدا، لذلك نطالب وفورا بإقامة ورش عمل ودورات تدريبية للمزارعين حول التقنيات الزراعية الحديثة وإدارة المحاصيل، وتحسين تسويق المنتجات وخاصة الى دول الخليج، وتقديم دعم مالي وفني للمزارعين، وتعزيز دور التعاونيات الزراعية، وتنظيم حملات توعية حول استخدام المبيدات والممارسات الزراعية المستدامة لضمان سلامة المنتجات.
تحقيق: موسى موسى