بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 شباط 2026 12:00ص دافوس 2026: عالم بلا بوصلة... من يدير الفوضى؟

حجم الخط
هشام أبو جوده*

لم يكن منتدى دافوس 2026 مساحة للتفكير في المستقبل، بل لحظة مواجهة قاسية مع الحاضر. ما انكشف في الجلسات والخطابات لم يكن اختلافاً في الرؤى، بل إجماعاً غير معلن على أن إدارة النظام الدولي القائم من قبل الدولة الأعظم لم تعد صالحة، لانه كان يُدار بالكذب والابتزاز وبالمعايير المزدوجة خلافا لجوهره المحدد بالحقوق والمساواة بين الدول والشعوب على قاعدة القوانين والشرائع الدولية التي تم وضعها بعد الحربين العالمتين الأولى والثانية.
هذا التناقض، لا الأزمات فقط، هو الخطر الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم. لم يكن المنتدى مناسبة للاحتفال بالعولمة أو التفاخر بنجاحات الاقتصاد العالمي، بل بدا أقرب إلى مرآة تعكس عالماً قلقاً، منقسماً، ومفتقداً للبوصلة. فعلى غير عادة المنتدى، غابت لغة التفاؤل، وحلّت مكانها مفردات القوة، السيادة، والمخاطر.

الذكاء الاصطناعي: قوة بلا كوابح

سيطر الذكاء الاصطناعي على المشهد، لكن النقاش لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسيا. ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لـ Microsoft قدّم الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة تاريخية لرفع الإنتاجية وتحقيق نمو شامل، في خطاب يعكس ثقة الشركات الكبرى بقدرتها على قيادة المستقبل.
في المقابل، جاء صوت يوشوا بنجيو - رائد في الذكاء الاصطناعي أكثر صراحة وحدّة، محذّراً من أن العالم يسير نحو احتكار غير مسبوق للمعرفة والقوة التكنولوجية. المشكلة، كما قال، ليست في سرعة الابتكار، بل في غياب أي إطار عالمي قادر على ضبطه. أما ديميس هاسابيس -الرئيس التنفيذي لـ (DeepMind (Google، فاعترف ضمنياً بأن سباق الذكاء الاصطناعي بات أسرع من قدرة الدول والمؤسسات على التفكير في عواقبه.
الرسالة كانت واضحة، نحن لا ندير ثورة الذكاء الاصطناعي، بل نلاحقها، وهذا بحد ذاته وصفة لاختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة.

العولمة: نهاية نموذج العولمة المفتوحة، وبداية مرحلة العولمة الانتقائية

في محور الاقتصاد العالمي، لم يعد أحد يدافع بجدّية عن العولمة كما عرفناها. دونالد ترامب قال ما يتجنّب الآخرون قوله «التجارة أداة قوة، والرسوم الجمركية وسيلة ضغط، والمصلحة الوطنية فوق أي اعتبار». لم يكن ذلك خطاباً شعبوياً بقدر ما كان إقراراً رسمياً بانتهاء وهم السوق العالمية المحايدة.
في المقابل، حاول القادة الأوروبيون، ومنهم إيمانويل ماكرون، الدفاع عن توازن هش بين الانفتاح والسيادة الاقتصادية، لكن خطابهم بدا دفاعياً، وكأن أوروبا تحاول إنقاذ نموذج يعرف الجميع أنه يتآكل.
العولمة لم تنهَار، بل تُفكك تدريجياً بقرارات سياسية واعية، لم تعد فكرة جامعة، بل تحولت إلى موضوع خلاف. الولايات المتحدة تدافع عن مصالحها القومية بلا مواربة، أوروبا تبحث عن سيادتها الاقتصادية، والصين تطرح نفسها كعامل استقرار، وباقي دول العالم ضائعة في خياراتها.

البيئة والطاقة: الأخلاق خارج الحساب

حتى المناخ لم ينجُ من هذا التحوّل، فلم يعد السؤال كيف ننقذ الكوكب، بل كيف نؤمّن الطاقة دون خسارة النفوذ. عاد الحديث عن الطاقة النووية والغاز، ليس كتنازل مؤقت، بل كخيار استراتيجي.
التحوّل الأخضر ما زال مطروحاً، لكن بصفته أداة تنافس لا مشروعاً إنسانياً. الدول القوية ستنجح في تمويل انتقالها، أما البقية فستُترك بين كلفة لا تُحتمل وخيارات محدودة.

النظام الدولي: كشف الخديعة

اللحظة الأكثر صراحة جاءت مع خطاب مارك كارني - رئيس الوزراء الكندي قالها بوضوح، «العالم لا يعيش مرحلة انتقال، بل مرحلة تفكك». الأخطر، بحسب كارني، أن النخب السياسية والمؤسسات الدولية تتصرّف وكأن هذا التفكك يمكن إدارته بالأدوات القديمة.
المشكلة ليست فقط في ضعف المنظمات الدولية والنظم والقواعد الدولية، بل في الوهم الجماعي بأنها ما زالت تؤدي دورها. القواعد تُخرق، النزاعات تتوسّع، الأمن الاقتصادي يتقدّم على القانون الدولي، ومع ذلك يستمر الخطاب الرسمي في التحدث عن «النظام القائم على القواعد».
هذه هي الخديعة، نظام لم يعد قائماً، لكنه يُدار كما لو أنه موجود، نظام تمّت إدارته من قبل القوى العظمى بالكذب، وعلى انه عادل ومتساوي وان قواعده تطبق على الجميع، مع العلم انه لم يكن كذلك.
كارني حذّر من أن سوء إدارة هذا الواقع قد يقود إلى انفجارات أكبر، لأن العالم لم يبنِ بعد بدائل حقيقية لإدارة الصراع. العالم في فراغ استراتيجي، تُملؤه القوة لا القواعد، نظام دولي فارغ من سلم القيم.
في نفس السياق شدّد كارني على أهمية العمل المشترك للدول المتوسطة والصغرى لحماية مصالحها في عالم جديد أقل استقراراً، وبشكل متوازن متكامل ومتعدد الخيارات مع القوى العظمى كي لا تقع هذه الدول فريسة اتكالها على احدى هذه القوى.

عالم بلا مركز... وبلا خطة

ما كشفه دافوس 2026 هو عالم بلا قيادة واضحة، وبلا استعداد للاعتراف الكامل بالفشل. الذكاء الاصطناعي، التجارة، الطاقة، وحتى المناخ، تُدار اليوم بسياسات وطنية ضيقة متصادمة مع بعضها البعض، داخل نظام دولي متآكل فاقد للقيم المانعة لاستعمال الادوات التدميرية المنتشرة في طول وعرض الارض، والتي إذا تم استعمالها ستؤدي الى فناء العالم.
لم يكن دافوس مؤتمرا للحلول، بل مؤتمر سقوط أوهام. ومن يصرّ على التعامل مع العالم كما توهم أن يكون، لا كما هو، لن يكون ضحية التحوّلات فحسب، بل أحد أسباب فوضاها. في زمن التفكك، الوضوح لم يعد ترفاً بل ضرورة للبقاء.
دافوس 2026 لم يُجب عن سؤال إلى أين يتجه العالم؟
لكنه أجاب بوضوح عن مسألة أخطر:
من لم يستعد، سيتأخّر... ومن يتأخّر، سيتهمّش، ومن لا يقاوم ويرفض، سيزعن... ومن يزعن، سيسحق.

* خبير اقتصادي - سياسي