بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 تموز 2025 12:00ص لبنان بين أزمات الحرب والتحدّيات الاقتصادية: خسائر «جسيمة» والعين على استعادة الاقتصاد الوطني

بلال علامة بلال علامة
حجم الخط
نوال أبو حيدر

لم يكد لبنان يلتقط أنفاسه من أزماته المتلاحقة، حتى جاءت الحرب الإيرانية - الإسرائيلية لتُعمّق جراحه وتُصيب مختلف قطاعاته الحيوية بشلل شبه كامل. فعلى الرغم من أنّ المعارك لم تدُر فوق أراضيه بشكل مباشر، إلّا أنّ ارتدادات هذا الصراع الإقليمي العنيف اجتاحت الداخل اللبناني، وضربت البنية الاقتصادية الهشّة، من السياحة إلى التجارة، ومن الزراعة إلى النقل والخدمات، مضيفة عبئاً جديداً على دولة تتخبّط أصلاً في أزمات مالية ومعيشية خانقة.
فالحرب الإقليمية الأخيرة لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكّلت صدمة عنيفة ضربت مفاصل الاقتصاد اللبناني، الذي يئنّ تحت وطأة أزمات متراكمة منذ سنوات.
واليوم، تُطرح تساؤلات مشروعة حول إمكان التعويل على ما تبقّى من الفرص المتاحة، من أجل تحقيق إيرادات مالية تُسهم في تحريك العجلة الاقتصادية، ولو بشكل محدود، خلال هذه المرحلة العصيبة التي يمرّ بها لبنان. فهل لا يزال بالإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة ضخّ الروح في كافة القطاعات لتقوم بدور مساند في الصمود الاقتصادي؟

تداعيات الحرب الإقليمية على الاقتصاد اللبناني

من هذا المنطلق، يقول الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أنيس أبو دياب لـ «اللواء» أنه «في الواقع، لا تتوفر حتى الآن تقديرات رقمية دقيقة أو مسوح رسمية موثوقة توضح حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الحرب الإيرانية - الإسرائيلية التي استمرت اثني عشر يوماً. ومع ذلك، لا شك في أن لبنان كان من بين الدول التي تكبّدت تداعيات اقتصادية مباشرة وغير مباشرة جرّاء هذا الصراع. من أبرز هذه التداعيات، كان التراجع الملحوظ في القطاع السياحي، حيث أُلغيت نسبة كبيرة من الحجوزات السياحية التي كانت متجهة إلى لبنان والتي كانت تشكّل بارقة أمل للقطاع السياحي المحلي، الذي يُعَوَّل عليه كمصدر حيوي لضخ السيولة في السوق وتحريك عجلة الاقتصاد، في ظل غياب شبه كامل لأي دعم مالي خارجي أو استثمارات أجنبية مباشرة خلال السنوات الأخيرة».

شلل في مطار بيروت

ويُتابع: «إضافة إلى ذلك، شهد مطار بيروت الدولي حالة من الشلل الجزئي، نتيجة تعطّل الأجواء في عدد من الدول المحيطة بلبنان، مثل العراق، والأردن، ومصر، ودول الخليج العربي. هذا التعطيل أثّر سلباً على حركة الملاحة الجوية، مما زاد من عزل لبنان مؤقتاً عن محيطه الإقليمي والدولي، وعمّق من الأزمة الاقتصادية من خلال الحدّ من تدفّق الزوّار والسياح، في وقت كان لبنان بأمسّ الحاجة فيه إلى أي حركة اقتصادية تساهم في تخفيف وطأة أزماته المتعددة».
ويرى أبو دياب أن «كل هذه العوامل تؤكّد أن لبنان، رغم أنه لم يكن طرفاً مباشراً في الحرب، إلّا أنه دفع جزءاً من فاتورتها الاقتصادية، في وقتٍ يعاني فيه أصلاً من أزمات متراكمة في المال والاقتصاد والخدمات».

القدرة الشرائية والمعيشة تحت ضغط العواصف الاقتصادية

أما على الصعيد المعيشي، فيوضح أبو دياب أن «هذه التحديات الاقتصادية انعكست بشكل مباشر وواضح على حياة المواطن اللبناني اليومية. فقد شهدنا ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار السلع والخدمات الأساسية، حيث تراوحت نسبة الغلاء بين 15% و20% خلال فترة قصيرة، مما زاد من معاناة الناس وقلّص قدرتهم على تأمين حاجياتهم الأساسية»، معتبراً أن «من أهم العوامل التي ساهمت في هذا الارتفاع، كانت الزيادة المتواصلة في أسعار المحروقات، التي تأثّرت بدورها بارتفاع أسعار النفط عالمياً وفرض ضرائب إضافية على المنتجات النفطية. وهذا التزايد في كلفة الوقود لم يؤثر فقط على تكلفة النقل، بل انتقل تأثيره ليشمل كافة القطاعات الاقتصادية، مما أدّى إلى موجة تضخمية شاملة أثقلت كاهل الأسر اللبنانية».

انكماش الاقتصاد وتصاعد البطالة والفقر

وفي سياق متصل، يقول: «تضافرت هذه العوامل لتُضعف القوة الشرائية للمواطن اللبناني بشكل كبير، حيث أصبح من الصعب عليه مجاراة ارتفاع الأسعار المتسارع مع دخولٍ محدود وثابت في كثير من الحالات. والنتيجة الحتمية لهذا الانخفاض في القدرة الشرائية هي تراجع مستويات الاستهلاك، الأمر الذي ينعكس سلباً على الإنتاج والناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فحين ينخفض الطلب الداخلي، تتأثر الشركات والمؤسسات بشكل مباشر من خلال تراجع مبيعاتها وأرباحها، مما يؤدي إلى تقلص الاستثمارات وتراجع النمو الاقتصادي، ويزيد من معدلات البطالة والفقر. وهذا يضع لبنان في حلقة مفرغة من الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تحتاج إلى حلول عاجلة وفعّالة».

خطوات أساسية لتعافي الاقتصاد اللبناني

أما بالنسبة للسؤال المحوري حول كيفية تحسين الاقتصاد اللبناني والبدء في عملية التعافي، فيعتبر أبو دياب أن «الحل يكمن في إعادة بناء الاقتصاد من أساسه، عبر إطلاق إصلاحات هيكلية شاملة وجذرية تُعيد بناء الثقة بالمؤسسات وتعزز البيئة الاستثمارية، إلى جانب العمل على تحديث القوانين والنظم المالية والإدارية، ومكافحة الفساد، وتحسين الشفافية، أضف إلى تعزيز دور القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية».
ويتابع: «من المهم التأكيد أن لبنان لم يكن يوماً دولة معزولة اقتصادياً أو منفصلة عن محيطه الإقليمي والعالمي، بل على العكس، يعتمد اقتصاده بشكل كبير على التبادلات التجارية والمالية مع الخارج. لذلك، أي أزمة أو توتر اقتصادي أو سياسي يحدث في المنطقة أو في العالم، لا محالة ينعكس على لبنان، بسبب هذا الترابط والتداخل بين الاقتصاد اللبناني والأسواق العالمية».
وبناءً عليه، يختم: «إن تحسين الاقتصاد اللبناني يتطلّب فهم هذا الواقع والعمل على تنويع مصادر الدخل وتحسين القدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية المختلفة، مع تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لجذب الدعم والاستثمارات التي تُسهم في دفع عجلة النمو. كما يجب تبنّي سياسات اقتصادية مرنة وواقعية تُمكّن لبنان من التكيّف مع المتغيّرات الخارجية وتقليل أثر الأزمات العالمية على الاقتصاد الوطني».