رامي ضاهر
لم تعد الأبنية المتصدّعة في لبنان مجرد مشكلة عمرانية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة وطنية تهدد حياة آلاف المواطنين يومياً. ففي مختلف المناطق اللبنانية، تكشف الجدران المتشققة والأسقف المتآكلة عن واقع مأساوي نتج عن سنوات طويلة من الإهمال وضعف الرقابة على تطبيق قوانين البناء، وزادت حدته بعد الحرب الأخيرة التي خلّفت دماراً واسعاً في المنازل والبنى التحتية، ودفعت العديد من المباني الهشة إلى حافة الانهيار.
الحرب الأخيرة... دمار وتشريد وتفاقم المخاطر
تسببت الحرب الأخيرة بدمار واسع للمنازل والمباني، لا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية ومناطق لبنانية أخرى، ما أدى إلى تشريد آلاف العائلات وإجبارها على الانتقال إلى مساكن غير آمنة. فالمباني القديمة التي كانت تعاني أساساً من ضعف الصيانة، أصبحت أكثر هشاشة بعد تعرضها للأضرار المباشرة، وظهرت فيها عيوب إنشائية وتشققات خطيرة تهدّد بسقوطها في أي لحظة.
وفي مدن مثل صيدا وطرابلس، برزت التداعيات بشكل أخطر، حيث تفاقمت أضرار الأبنية القديمة نتيجة الانفجارات والدمار المباشر، فيما كشفت الانهيارات الأخيرة هشاشة البنية العمرانية وعمق الأزمة التي يعيشها السكان يومياً.
طرابلس... شبح الانهيارات يعود ويهدّد الأحياء السكنية
لم تتوقف سلسلة انهيارات المباني في طرابلس عند الحوادث السابقة، بل شهدت المدينة خلال هذا الشهر انهيارات جديدة لأبنية سكنية متصدعة في أكثر من حي، ما أعاد إلى الواجهة الخطر الداهم الذي يهدّد السكان. فقد انهارت أجزاء من مبانٍ قديمة في مناطق شعبية مأهولة، ما أدّى إلى حالة من الهلع بين الأهالي واستدعى إخلاء عدد من الشقق السكنية المجاورة خوفاً من انهيارات إضافية، في ظل استمرار تصدّع العديد من المباني الأخرى.
ومن الأمثلة البارزة على هذا الواقع، انهيار جزء من مبنى مقابل قلعة طرابلس خلال الأيام الماضية، في نقطة تشهد حركة كثيفة للمارة يومياً. ورغم وضوح التهديد، ما تزال المعالجات عالقة بانتظار قرارات إدارية لم تصدر بعد، فيما يبقى الخطر قائماً فوق رؤوس الناس.
هذه الحوادث المتكررة تؤكد أن أزمة الأبنية الآيلة للسقوط في طرابلس لم تعد حالات طارئة أو منفصلة، بل أصبحت ظاهرة تتفاقم مع مرور الوقت، خصوصاً مع تقادم الأبنية وغياب الصيانة وضعف الرقابة الهندسية. كما كشفت الانهيارات الأخيرة هشاشة البنية العمرانية في المدينة، حيث تشير التقديرات إلى وجود عدد كبير من المباني التي تحتاج إلى تدعيم عاجل أو إخلاء فوري، ما يضع آلاف العائلات أمام خطر فقدان منازلها أو التعرّض لكوارث مفاجئة.
نظام إداري معقّد يعرقل المعالجة
يشير الدكتور مصطفى قراعلي إلى أن الخطر في طرابلس لا يحتاج إلى كوارث طبيعية كي يتحقق، إذ يكفي تساقط الأمطار أو تآكل سقف أو جدار مهمل لسنوات كي يتحول المنزل إلى فخ قاتل لسكانه.
ويلفت إلى أن آلاف السكان يعيشون في أحياء المدينة القديمة فوق مبانٍ مهددة بالانهيار، في ظل نظام إداري معقّد عالق بين بلدية طرابلس ووزارة الثقافة، حيث تحوّلت حماية الأبنية التراثية إلى عائق أمام إجراءات السلامة العامة.
ويشرح قراعلي أن المشكلة تعود إلى قرار إداري صدر عام 2012 يقضي بإحالة رخص هدم الأبنية في المناطق التراثية إلى وزارة الثقافة، وكان يفترض أن يكون إجراءً مؤقتاً بانتظار استكمال الجرد العام للأبنية الأثرية، إلا أن هذا الإجراء تحوّل إلى سياسة دائمة، ما أدى إلى تعطيل صلاحيات البلدية وتأخير أعمال الترميم والهدم الآمن.
فراغ في المسؤولية وتوسّع في القيود
أدّى تطبيق القرار إلى توسّع غير قانوني في نطاقه، إذ لم يعد يقتصر على الهدم، بل شمل أعمال الترميم والتدعيم وتغيير الاستعمال، ما جعل عملية الترخيص شبه مستحيلة في كثير من الحالات.
وفي ظل هذا الواقع، تمتنع البلدية عن منح التراخيص بانتظار موافقة وزارة الثقافة، فيما تتأخّر الموافقات أو لا تصدر أساساً، فتُترك المباني المهدّدة بلا معالجة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيارها وهي مأهولة بالسكان.
وتبرز هنا حالات بات فيها الخطر مرئياً في قلب المدينة، فيما يبقى القرار معلّقاً بين المراجع، في صورة تختصر الفجوة بين وضوح التهديد وبطء الاستجابة.
خلل تشريعي يفاقم الأزمة السكنية
من جهته، يؤكد مسؤول لجنة حق السكن في طرابلس رياض الأيوبي أن انهيارات المباني في المدينة ليست حدثاً طارئاً، بل نتيجة مسار طويل من التدهور العمراني الذي تسارع في السنوات الأخيرة.
ويشير إلى أن التشريعات الحالية تحمّل المالك وحده مسؤولية ترميم المبنى أو هدمه على نفقته الخاصة، فيما يقتصر دور البلديات غالباً على توجيه الإنذارات أو الإخلاء، وهو ما يضع عبئاً كبيراً على الأفراد في قضايا مرتبطة بالسلامة العامة.
كما يلفت الأيوبي إلى أن مرسوم السلامة العامة لا يشمل الأبنية التي شُيّدت قبل صدوره، رغم أن غالبية المباني في لبنان يتجاوز عمرها عشرين عاماً، ما يترك شريحة واسعة من الأبنية خارج إطار الرقابة الهندسية الفعلية.
ويضيف أن غياب المسح الوطني الشامل للأبنية المهددة، وعدم توفر بيانات دقيقة حول أعدادها، يعيقان وضع خطة إنقاذ جدية، محذراً من أن معالجة الملف يجب أن تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لتجنب تهجير السكان أو تفكك النسيج الاجتماعي للمدن.
أسباب هندسية وطبيعية تزيد من خطر الانهيارات
بدوره، يوضح المهندس محمود حسن أن أسباب انهيار المباني تنقسم إلى عوامل مرتبطة بالحروب والكوارث، وأخرى تتعلق بأخطاء هندسية وتنفيذية أو بعوامل طبيعية.
ويشير إلى أن ضعف دراسة التربة واختيار الأساسات غير المناسبة من أبرز أسباب الانهيار، إضافة إلى الأخطاء في التصميم الإنشائي وعدم احتساب الأحمال الناتجة عن الزلازل أو الرياح أو العوامل المناخية. كما يشدد على أن سوء التنفيذ واستخدام مواد بناء رديئة أو الاستعانة بعمال غير متخصصين، يؤدي إلى إضعاف هيكل المبنى مع مرور الزمن، إلى جانب تأثير العوامل الطبيعية مثل الفيضانات وانجراف التربة والعواصف الشديدة، فضلاً عن الحوادث الناتجة عن أعمال الحفر أو الاصطدامات القريبة من المباني.
دعوات لخطة وطنية عاجلة
تكشف أزمة الأبنية المتصدعة في لبنان عن تداخل معقد بين عوامل الحرب والإهمال الإداري والخلل التشريعي والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعلها أزمة تتجاوز البعد العمراني لتصبح قضية إنسانية وأمنية.
ويؤكد خبراء ومختصون ضرورة إطلاق خطة وطنية شاملة تبدأ بإجراء مسح ميداني دقيق للأبنية المهددة، وتأمين بدائل سكنية للمتضررين، وتعديل التشريعات المتعلقة بالسلامة العامة، إضافة إلى تعزيز الرقابة على تطبيق معايير البناء، وإشراك الوزارات المعنية والبلديات في تنفيذ برامج ترميم ودعم مستدامة.
بين حماية التراث وسلامة السكان... من يتحمّل المسؤولية؟
يبقى السؤال الأساسي الذي يطرحه هذا الملف: هل تحوّلت حماية التراث إلى ذريعة لتعليق إجراءات السلامة العامة؟ أم أن الأزمة تعكس خللاً في إدارة المدن وتوزيع المسؤوليات بين المؤسسات الرسمية؟
ويقول الدكتور مصطفى قراعلي في هذا السياق: «حين يصبح الخطر فوق رؤوس الناس، لا يعود مقبولاً أن يبقى القرار في الأدراج».
وإذا كان التهديد واضحاً اليوم في محيط أحد أبرز معالم المدينة، فكم من الوقت يحتاج القرار ليصل؟
فما يجري اليوم في طرابلس وغيرها من المدن اللبنانية لا يعبّر عن صراع بين الحفاظ على التراث وحماية السكان، بل يكشف منظومة إدارية عطّلت القرار وتركت آلاف المواطنين يعيشون تحت خطر الانهيار، في انتظار حلول لم تعد تحتمل التأجيل.