رامي ضاهر
يتجدّد الجدل في منطقة برج حمود - الدورة حول منشآت نفطية وخزانات غاز تقع في محيط سكني مكتظ، وآخره ما يُتداول عن إنشاء خزانات جديدة تعود لشركة «كورال » النفطية، الأمر الذي أثار قلق الأهالي وأسئلة جدّية حول قانونية الموقع، السلامة العامة، والالتزام بالمعايير البيئية.
هذا الواقع أعاد فتح ملف قديم - جديد حول مشروعية وجود منشآت تخزين المشتقات النفطية والغازية داخل نطاق سكني كثيف، وحول مدى التزام الشركات المعنية بالقوانين والمراسيم المرعية الإجراء، ولا سيما بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت وما تركته من صدمة وطنية ووعي متزايد بمخاطر الإهمال والتراخي في تطبيق معايير السلامة.
الإطار القانوني الناظم للمنشآت النفطية
قانونياً، يخضع إنشاء وتشغيل المنشآت الصناعية، ومنها منشآت النفط وتخزين المحروقات، لمراسيم تنظيمية واضحة، أبرزها المرسوم رقم 9949 تاريخ 7/3/2013 وقرارات المجلس الأعلى للتنظيم المدني.
هذه القوانين تحصر النشاط الصناعي داخل مناطق مصنّفة صناعياً رسمياً، وتمنع إقامة منشآت صناعية أو تخزين مواد خطرة داخل المناطق السكنية أو الملاصقة لها، إلّا في حالات استثنائية ضيّقة ومشروطة.
كما تفرض القوانين إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي قبل منح أي ترخيص، وتمنع أي نشاط ملوِّث أو يشكّل خطراً على الصحة العامة، إضافة إلى حظر تصريف النفايات أو المياه الصناعية من دون معالجة.
ولا يُمنح أي ترخيص بناء أو تشغيل أو استثمار إلا بعد استكمال موافقات إلزامية من وزارة البيئة، الدفاع المدني، وزارة الصحة، والبلدية المختصة.
شروط السلامة العامة والمساحات العازلة
فيما يخص السلامة العامة، تلزم القوانين المنشآت الصناعية بتأمين إجراءات الوقاية، مخارج طوارئ، معدات إطفاء، وإنشاء مساحات عازلة (Buffer Zones)، كما تحظر تخزين المواد القابلة للاشتعال أو السامة داخل الأحياء السكنية أو قربها.
ورغم وجود تراخيص رسمية لبعض المنشآت في المنطقة، تشير تقارير إعلامية ومخاوف الأهالي إلى احتمال حصول تجاوزات في التطبيق الفعلي لشروط السلامة، لا سيما لناحية ما يُتداول عن وجود غاز داخل منشآت نفطية.
وفي حال صحّت هذه المعطيات، فإن الجمع بين مواد نفطية وغازية ضمن محيط سكني مكتظ يُعد خطراً مضاعفاً على السلامة العامة، ما يستوجب تدخّلاً عاجلاً من الوزارات المعنية للتحقق الميداني من طبيعة المواد المخزّنة، مدى التزام التراخيص، وتطبيق شروط الأمان.
علي عباس: لا سند قانونياً لإنشاء خزانات جديدة
المحامي والمستشار القانوني علي عباس، وفي إطار متابعته لهذا الملف، اعتبر أن ما يجري في برج حمود، ولا سيما على العقار رقم 23، يشكّل خطراً كبيراً على السلامة العامة.
وأشار إلى أن الحديث يدور عن إنشاء نحو 20 خزاناً جديداً وضخماً لتخزين الغاز المسال ومواد هيدروكربونية ومحروقات مختلفة، إضافة إلى استبدال خزانات قائمة بخزانات أكبر حجماً وسعة.
وأوضح عباس أن هذه الأعمال تثير تساؤلات جدّية حول السند القانوني الذي تستند إليه الشركة المنفّذة، لا سيما أن قراراً صدر بعد انفجار مرفأ بيروت يقضي بنقل هذه الخزانات خارج المناطق السكنية.
وأضاف أن سوابق مماثلة حصلت مع شركات أخرى، مثل «يوني غاز»، ما دفعه إلى إرسال كتب رسمية بالبريد المضمون إلى وزارات الطاقة، الصناعة، البيئة، الأشغال، التنظيم المدني، ومحافظ جبل لبنان، إضافة إلى بلدية برج حمود.
وأشار إلى أن الشركة تستند إلى ترخيص صادر عن وزارة الطاقة عام 2017، إلّا أن هذا الترخيص - بحسب دراسته القانونية - لا يجيز إنشاء خزانات جديدة أو توسيع القدرة التخزينية، بل يقتصر على أعمال صيانة وترميم خزانات قائمة، بهدف الالتزام بالمرسوم رقم 5509 المتعلق بالسلامة العامة والمعايير الفنية للخزانات.
المرسوم 9949: استمرار مؤقت لا توسّع دائم
يوضح عباس أن المرسوم 9949/2013 لا يزال ساري المفعول، وهو يفرض على جميع المؤسسات الصناعية، مهما كان تصنيفها، إجراء دراسة أثر بيئي والحصول على موافقة وزارة البيئة.
كما ينص بوضوح على أن مؤسسات تخزين وتوزيع المشتقات النفطية والغاز المسال التي كانت قائمة قبل صدور النظام يمكنها الاستمرار مؤقتاً في مواقعها، إلى حين تحديد مواقع بديلة لها خارج النطاق المدني، شرط الالتزام الكامل بالقوانين وشروط السلامة، من دون أي توسعة أو زيادة في القدرة التخزينية.
روي داغر: أي مخالفة تسحب الترخيص فوراً
عضو نقابة المهندسين روي داغر شدّد على أن مسار التراخيص واضح، ويبدأ بدراسة أثر بيئي وموافقة وزارة البيئة ووزارة الصناعة، ثم التنظيم المدني ووزارة الأشغال.
وأكد أن المخطط التوجيهي لمنطقة برج حمود يمنع إقامة منشآت صناعية خطرة قرب مناطق سكنية، ويُلزم بإرفاق كل ملفات الترخيص بدراسات السلامة العامة.وأوضح أن أي مخالفة لأي بند من هذه البنود تستوجب سحب الترخيص فوراً وإقفال المنشأة، مشيراً إلى أن غياب الرقابة وتطبيق القوانين أدّى إلى تمدد عمراني عشوائي فاقم حجم المخاطر.
أحمد شوقي: المراسيم لا تشرّع التوسّع والمسافات الآمنة غير قابلة للتجاوز
من جهته، أوضح المهندس أحمد شوقي، مهندس كيمياء متخصص في النفط والمشتقات البترولية والغاز، أن المرسوم رقم 9949/2013 الصادر عن مجلس الوزراء، والذي صادق على التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي العام للمنطقة الصناعية في برج حمود، يفرض قيوداً واضحة على الأنشطة الصناعية الخطرة داخل النطاق الحضري، ويلزم بمراعاة القرب من المناطق السكنية والمرافق العامة.
وأكد أن أي توسعة أو زيادة في القدرة التخزينية أو تعديل في طبيعة النشاط بعد عام 2013 يجب أن يخضع بالكامل لأحكام هذا المرسوم.
وأضاف أن المرسوم التقني رقم 5509/1994، الذي يُستند إليه غالباً لتبرير واقع بعض المنشآت النفطية، يقتصر على شروط السلامة التقنية والتشغيلية، ولا يشكّل ترخيصاً تخطيطياً أو عمرانياً يسمح بالتوسّع أو تغيير الاستعمال.
وفيما يخص السلامة، أشار شوقي إلى أن المعايير الدولية، ولا سيما كود NFPA 58، تحدد مسافات أمان واضحة بين خزانات غاز البترول المسال (LPG) والمباني السكنية، تعتمد على سعة الخزان ونوعه.
وأوضح أن الخزانات فوق الأرض يجب ألا تقل المسافة بينها وبين المباني عن 3 أمتار للخزانات الصغيرة، وترتفع إلى 7.6 أمتار أو أكثر للخزانات ذات السعات الكبيرة، مع وجوب الابتعاد عن مصادر الشرر وفتحات التهوية وحدود الملكيات المجاورة، وإقامة أسوار حماية مناسبة.
وشدّد على أن أي إخلال بهذه المعايير، خصوصاً ضمن محيط سكني مكتظ، يشكّل خطراً جسيماً لا يمكن تبريره تقنياً أو قانونياً.
صابونجيان: جريمة بحق نصف مليون مواطن
بدوره، أكد الوزير السابق فريج صابونجيان، أن هذا الموضوع يشكّل خطراً كبيراً على السلامة العامة وعلى أبناء برج حمود.وأشار إلى أن تحقيقاً فُتح لمعرفة كيفية حصول الشركة على هذه التراخيص، معتبراً أن ما يجري قد يشكّل جريمة بحق أكثر من نصف مليون مواطن في برج حمود ومحيطها.
عريضة الأهالي والمؤسسات
وفي موازاة هذه التحركات، حصلت صحيفة «اللواء» على عريضة موقّعة من مؤسسات تجارية ومصانع وسكان وأصحاب أبنية في برج حمود، تطالب بنقل هذه المنشآت إلى مكان آخر بعيداً عن المباني السكنية، بما يضمن السلامة العامة.
تحرّك نيابي رقابي
وفي هذا الإطار، تقدّم عدد من نواب قوى التغيير بسؤال رسمي إلى الحكومة، طالبوا فيه بتوضيح قانونية الأعمال الجارية في برج حمود، ومدى التزامها بالقوانين المرعية الإجراء والمخطط التوجيهي للمنطقة الصناعية، لا سيما لناحية إنشاء أو توسيع خزانات نفط وغاز داخل نطاق سكني مكتظ.
ويأتي هذا التحرّك النيابي في سياق الضغط لتفعيل الرقابة والمحاسبة، ومنع فرض أمر واقع قد يعرّض السلامة العامة للخطر.
إذاً السلامة أولاً
وبالاستناد إلى هذا الإطار القانوني والآراء التقنية والقانونية، فإن أي خزانات نفط أو غاز تُنشأ في برج حمود خارج نطاق منطقة صناعية مصنّفة، أو من دون استيفاء كامل الشروط البيئية وشروط السلامة، تُعد مخالفة صريحة للقانون وتشكّل خطراً مباشراً على السكان.
وفي انتظار توضيحات رسمية حول طبيعة الأعمال الجارية والتراخيص الممنوحة، يبقى حق السكان في السلامة والبيئة النظيفة أولوية قانونية لا يمكن تجاوزها تحت أي ذريعة استثمارية.