بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 نيسان 2025 12:00ص «أسرار وحقائق في خدمة وطني» للعميد ميشال حرّوق

حجم الخط
من المعروف عادة إن الشخصيات التي لعبت أدواراً هامة تشعر بفراغ كبير بعد انتقالها من مرحلة كانت أوقاتها تحتسب بالدقيقة والثانية إلى مرحلة التقاعد، ولذلك نراها تلجأ إلى تدوين مذكراتها لملء الوقت الذي يمرّ من دون أي إنتاج أو عمل أولاً، لمحاولة تقديم مادة الى الأجيال الجديدة تأخذ منها العِبَر وتستفيد. ومن هؤلاء الذين ينطبق عليهم ما ذكرنا العميد ميشال حرّوق، والذي تولّى مناصب أمنية حسّاسة. كان من أبرزها مدير الأمن العسكري في مديرية المخابرات في عهد الرئيس إلياس سركيس، وقائداٍ للحرس الجمهوري أيام الرئيس إلياس الهراوي، وهو كان أول ضابط يتولى هذا المنصب بعد اتفاق الطائف.
في كتابه «أسرار وحقائق في خدمة وطني»، الصادر عن دار سائر المشرق، والذي قدّم له وقُدم له الكاتب السياسي سركيس نعوم بكلمات راقية لا يتحدث بها عادة إلا المفكرون والدارسون. يصحبنا ميشال حروق في رحلة الأربعين عاماً التي قضاها في صفوف المؤسسة العسكرية، والتي لم يقصد بها أن تكون مجرد سيرة ذاتية بقدر ما أرادها منهجاً متكاملاً لمرحلة من تاريخ لبنان كانت حافلة بالأحداث الجسام وعايش الكثير من تفاصليها، مما يعطي هذه المذكرات قيمة استثنائية جعلت من مؤلف الكتاب مع كل أزمة صادفته يبدو وكأنه على موعد مع القدر.
فمن محاولة عدد من ضباط المدرسة الحربية وتلامذتها وبينهم ميشال حروق القيام بانقلاب على الرئيس سليمان فرنجية في بداية الحرب الأهلية، والتي جرى التراجع عنها في اللحظات الأخيرة، وذلك بعد أن لمسوا عدم حماسة كافية من قائد المدرسة الحربية العميد فرنسوا جينادري للاستمرار معهم في خطتهم، وذلك بعد عودته من اجتماع للضباط الكبار في وزارة الدفاع، والذي كان عاصفاً بالخلافات والتباينات في وجهات النظر. وصولا إلى تعيينه مديرا للأمن العسكري في عهد إلياس سركيس، والصدام الذي حصل بين مدير المخابرات جوني عبده وبشير الجميل مع محاولة الجيش استعادة سلطته على الأرض من المليشيات. الى مرحلة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 عندما طلب منه الرئيس سركيس التوجه إلى السفارة الأميركية، وإحضار رسالة له وصلته من الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وعند قراءتها أصابه الغضب لتعارض مضمونها مع موقف لبنان من الغزو الإسرائيلي لأراضيه، وكانت ردّة فعله بأن طلب من الرائد حروق العودة مجدداُ إلى السفارة، وإعادة الرسالة إلى السفير، وإبلاغ المبعوث الأميركي فيليب حبيب بإن موعده المقرر في صباح اليوم التالي في قصر بعبدا قد أُلغي، وبعد أن نفّذ حروق المطلوب منه، وفيما كان يهمّ بمغادرة السفارة، طلب منه السفير الأميركي الانتظار، وسلّمه رسالة أخرى من الرئيس الأميركي كانت بحوزته تتضمن موقفاً داعماً للبنان خلافاً للرسالة السابقة، والتي بعد أن قرأها الرئيس سركيس قرّر العودة عن قراره إلغاء موعده مع فليب حبيب.
محطة أخرى هامة يستذكرها حروق، عندما ذهب لمقابلة رئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون في قصر بعبدا موفداً من رئيس الجمهورية إلياس الهراوي، والذي طلب منه الانضمام إلى مسيرة الطائف لإن القرار بإخراجه من قصر بعبدا قد اتخذ. ولكن بالرغم من هذه الرسالة الحازمة، ظل العماد عون يناور حتى اللحظة الأخيرة إلى أن وجد نفسه أخيرا أمام الأمر الواقع.
ومن موقعه كقائد للحرس الجمهوري عايش ميشال حروق عن قُرب مرحلة الرئيس إلياس الهراوي بكل تفاصليها، والذي يأتي في كتابه على بعض المحطات الأساسية فيها. مثل محاولة جهاز الأمن في القوات اللبنانية اغتيال الرئيس الهراوي بواسطة أحد عناصر الحرس الجمهوري الذي خاف وتراجع في اللحظة الأخيرة، وجاء يخبر العميد حروق بما كان يعتزم فعله مع ذكر أسماء الأشخاص الذين قاموا بتجنيده لهذه المهمة. كما نقع في الكتاب على فصول من العلاقة التي جمعت الرئيس الهراوي بالرئيس حافظ الأسد، والتي كانت إيجابية دوماً، خلافاً لعلاقته برئيس جهاز الأمن في لبنان غازي كنعان، الذي كان يحاول أحيانا التدخّل ضد مصلحة الرئيس مناصراً بعض الأطراف اللبنانية عليه. إلى ان وقع بينهما خلاف شديد بسبب هذه الممارسات استنجد فيه الرئيس الهراوي بالرئيس الأسد لحلّه.
وفي شريط الذكريات مع الرئيس الهراوي أيضاً، يستعيد العميد حروق قصة سوء التفاهم الذي وقع بينهما، وتحوّل قطيعة استمرت أربعة أشهر امنتع خلالها العميد حروق بصفته قائداً للحرس الجمهوري عن مرافقة الرئيس في احدى زياراته إلى الخارج، وكان سبب هذا الخلاف نصيحه قدمها إليه مع الوزير ميشال المر والمستشارة الإعلامية مي كحالة بعدم تكليف رفيق الحريري تشكيل الحكومة العتيدة.
«أسرار وحقائق في خدمة وطني»، كتاب وقائع وأحداث أصبحت جزءاً من تاريخنا الحديث، بحيث يشعر معه القارئ انه في سباق مع نفسه للاطّلاع والمتابعة. على أمل نتعلّم مما خطّه ميشال حروق كيف نداوي جراحتنا الأمنية والسياسية، وأن نخرج من ذهنية الصراع والضوضاء الغرائزية، والصراخ الذي يصمّ الآذان.