بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 شباط 2026 12:00ص أعمال الفنان عباس الموسوي: إيقاعات روحية وبصريّة تُذكّرنا بموسيقى المدن

حجم الخط
تُبنى لوحة «عباس الموسوي« على محور عمودي أفقيّ متشابك، لا يخضع لقوانين هندسية صارمة، بل لقوانين التدفق الشعوري. الشارع يشقّ المشهد إلى نصفين، لكنّه ليس خطًّا واقعيًّا، بل مجرى من الضوء يتسلّل بين الأبنية كالنَّفَس الأخير في صدر مدينة قديمة. الأبنية على الجانبين ليست مجرّد طوبٍ ولون، بل كتل من الزمن المتراكم، تتداعى على نفسها كما تتداعى الذاكرة حين تُستدعى من بعيد. رغم أن الموسوي لم يحدّد الأشكال بوضوح؛ فكلّ شيءٍ في اللوحة مموّه، ذائب في الآخر. لا خطوط حادّة، لا حدود فاصلة بين الجسد والجدار أو بين الضوء والظلّ. هذه التقنية الانطباعية - التعبيرية تمنح العمل إحساساً بالاستمرارية الوجودية. إذ لا شيء ينتهي، بل كلّ شيء يتحوّل. الأجساد التي تسير في الطريق لا تملك ملامح، لكنها تملك حضوراً طاغياً. كأنها تجسيد للإنسان الجمعي، لا الفردي، الإنسان الذي يسير في التاريخ والمكان معاً. في غياب الملامح، تظهر هوية الروح بدل هوية الجسد. هي لوحات البشر الذين مرّوا من هنا، وغابوا، وبقي أثرهم في الضوء.
اللون في هذه اللوحة ليس عنصراً تزيينيًّا، بل هو لغة الوجدان. فالموسوي يشتغل على طيفٍ واسع من الأصفر والذهبي والبرتقالي، ألوانٍ دافئة تفتح باب الحنين وتُوقظ الذاكرة. الضوء ليس طبيعيًّا، بل عاطفيٌّ، يخرج من باطن المشهد، لا من شمسه. هو نور الذاكرة حين تستعيد لحظة دفءٍ غابرة. كما أن التدرّجات من البني والأزرق الغامق تخلق عمقاً بصريًّا ومعنويًّا، كأنها ظلال الماضي أو جدران الصمت. بين هذين القطبين، الذهب والظلّ، يعيش الإنسان في اللوحة نصفه نورٌ، ونصفه غياب. فهل ينشئ الموسوي من الألوان إيقاعات روحية وبصريّة تُذكّرنا بموسيقى المدن حين تصحو على الأذان أو خطوات الناس في الصباح الأول؟
الضوء في هذه اللوحة لا يُظهر الأجساد فقط، بل يُظهر الزمن وهو يمرّ. كلّ شعاعٍ هو تذكرة باللحظات التي عبرت ولم تعد، وكلّ ظلّ هو أثر إنسانٍ مرّ من هنا ذات يومٍ ولم نعد نراه. بهذا المعنى، يتحوّل الضوء إلى زمنٍ بصريٍّ معلّق بين الحضور والغياب. إذ يمكن الإدراك أن الضوء هو البطل الحقيقي. فهو لا يأتي من الخارج، بل يتفجّر من قلب اللوحة، من عمق الطريق ذاته. كأن المدينة تنير نفسها بنفسها، كما تفعل الذاكرة حين تشتعل بالحكاية. إنه نور الوعي الجمعيّ، أو ما يمكن أن نسمّيه بـ»الضوء الوجودي»؛ نورٌ لا يبدّد الظلمة فحسب، بل يكشف المعنى من داخلها. فهل الموسوي لا يرسم سوقاً أو شارعاً فقط، بل يرسم روح المدينة العربية القديمة، تلك التي تحمل في ضيق أزقتها وسخونة جدرانها تاريخاً من المعاناة والجمال؟
يبدو الإنسان في اللوحة كعابرٍ لا يملك وجهاً، لكنه المرآة التي تعكس المدينة نفسها. هو يسير إلى الأمام، نحو الضوء، كما لو كان يبحث عن ذاته في عمق الأزقة. بعضهم يبتعد، بعضهم يقترب، لكن جميعهم محكومون بحركة واحدة هي السير نحو النور. وهذه الحركة البسيطة تتحوّل إلى رمزٍ فلسفيٍّ عميق وهو الإنسان في رحلته الأبدية نحو المعنى، نحو الضوء الذي لا يُدرك إلّ0ا بالمسير إليه. في المقابل، هناك صمت ثقيل يلفّ المشهد. لا وجوه تتكلم، لا إشارات صوتية. الصمت هنا ليس فراغاً، بل لغة المدينة حين تتكلم بذاكرتها. الناس في اللوحة لا يتحدثون، لأن المدينة تتحدث عنهم جميعاً فهل على المستوى الرمزي، يمكن أن تُقرأ كجدلية بين النور والظل، بين الحضور والغياب، بين التذكّر والنسيان؟ وهل نحن من نسكن المدن، أم المدن هي التي تسكننا؟
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذه اللوحة كتصويرٍ لمكانٍ بعينه. إنها مرثية بصرية للمدن العربية القديمة التي ما زالت تحيا في الذاكرة رغم التغيّر. هي أيضاً نشيد للإنسان البسيط الذي يواصل السير في الضوء رغم التعب، لأنه يعرف أن السير نفسه خلاص. كل تفصيلة في اللوحة، من اللون إلى الظل، من الجدار إلى الجسد، من الفراغ إلى الامتلاء، تؤكد أن المدينة ليست خارجنا، بل فينا. نحن نحملها في وجداننا كما يحمل الضوء سرَّ النهار. وهكذا، تصبح اللوحة حكاية الإنسان في بحثه الدائم عن معنى الحياة داخل ضيق الأزقة وضوء الذاكرة. ليست مجرد مشهد من الماضي، بل تجسيد للحاضر الأبدي الذي يسكن في كل قلبٍ ما زال يفتّش عن دفءٍ ما، عن شارعٍ لم ينسَ ملامحه الأولى. فهل تنسج اللوحة خطاباً بصرياً يتجاوز المكان إلى الفكر والشعور والروح، ويُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمدينة والضوء، لتغدو كلّ فرشاة فيها شهادة على أن الفن هو الذاكرة الأخيرة للعالم؟