عالم ما قبل الهجرة من منظور فتى السابعة عشرة، يُخبرنا اليوم كروائي - راوٍ أنه شرع في إكمال روايته من النقطة التي توقف عندها منذ خمسين عاماً، فيعود بنا إلى زمن عاش فيه وعائلته تحت خط النار (شرقية وغربية)، إلّا أنه لم يستطع الإقامة لا هنا ولا هناك، وإنما في مكان قصيّ، بالغ الاختلاف، في أرجاء نفسه; وحيثما يذهب يكون فيه؛ وفي ظلال هذا العالم، تبدأ قصته مع «صبيّة الشرفة» التي تمثل بالنسبة إليه لحظة يقظته الأولى وحبّه الأول، وسرّه، الذي لم يطّلع عليه أحدٌ، الصبيّة التي غادرته ذات شتاء رهيب في عنفه. فكتبها رواية سمّاها «الشتاء الكبير»؛ لتحضر هي ومعها تاريخ وطن حافل بالحروب والخيبات والانكسارات، حتى زمن كتابة الرواية.
في «الشتاء الكبير» يختار أنطوان الدّويهي الوقوف على شرفة الذات والـ(شرفة) عين، والذات تشعر بما لا تراه العين المجردة تاركاً للشخصية (ذاتها) أن تُعبّر عما لديها من مشاعر، وأحاسيس، وأفكار، وهواجس بما يحقق البُعد الدرامي لكلّ شخصية، وخاصة عندما يكون الوطن على المحك، «شرقية وغربية» اللازمة التعبيرية التي لم يستطع الزمن حتى الآن محوها من الذاكرة الجماعية للبنانيين، فترسَّخت في باطن اللاوعي الجمعي وانعكست في الأعمال الأدبية وغيرها من الفنون التعبيرية الأخرى، حيث يُشكّل التشظّي، الغربة، والهجرة مكوّنات أساسية في حياة شخوص هذه الرواية. بين مَن هاجر ليبني له حياة أخرى خارج حدود الوطن، وبين مَن فضّل البقاء والصمود على أمل أن يأتي يوم يتحوّل فيه الشارع من «خط نار» إلى ما يشبه «الملتقى الشعبي».
في اللغة الروائية؛ هناك العديد من المؤشرات التي توحي بتعدد الأنساق التعبيرية المحاذية للسرد، والموزعة في الفضاء النصي، والمتراوحة بين فن كتابة اليوميات، والرسائل، والمذكّرات؛ إضافة إلى التأملات الذاتية، والتحليل الاجتماعي، وغير ذلك من مميزات تطبع نسيج هذه الرواية، كالتخييل والتصوير والترميز ودفع اللغة إلى أقصى حدود الإمكان ليتحقّق التعبير عن اللحظات المتوهّجة في حياة الشخوص. إنه هاجس «الكتابة المطلقة» الذي يتوق إليه أنطوان الدّويهي في كتاباته، والذي تحقق نصياً في هذه الرواية فوصلت إلينا على صورة الكاتب ومثاله.
(الرواية صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون وتقع في ٢٠٠ صفحة من القطع الوسط)