د. عبد الحافظ شمص
من المعلوم أَنَّ الفنّ الشِّعري يُعتبر من أهمَ أشكال الوعي العلمي والإنساني، ويُحدّد ماهيّة كلّ جانب من جوانب الحياة.. وأَنَّ لِمضمون المادّة الشعريّة أهميّة بالغة في إيراد الفكرة وسَبْكها وحَبْكها في قالبٍ مُمتع وجذّاب، وإيصالها إلى القارئ بلا عُقَد أو تَوَسُّط قد يُؤثّر على الذّهن وعلى ذائقة المتلقّي، فيُشغله، ولا يعود يستسيغ سماعَه أو قراءَته أو مُتابعته شكلاً ومضموناً.. والمضمون هو الواقع في نوعيّاتِه الجماليّة، وخاصّة في ما يتعلّق بذهن الإنسان وبالعلاقات الإنسانيّة والحياة الاجتماعيّة في كلّ مظاهرها المحسوسة.. والشّكل المنظّم والتّركيب الدّاخلي المُحدَّد للعمل الفنّي الذي يأتي من طريق وسائط فنّية للتعبير عن الغرض، وكشْف وتصوير المادّة الشّعريّة والعناصرً الأساسيّة في نجاح أَيّ نِتاجٍ شِعريّ.. وينكشف الموضوع بعدد من ظواهر الحياة التي تعكس الصّورة والقيمة الانفعاليّة أو التّفاعليّة من موقع مُثُلٍ عُليا مُعيّنة تؤدّي إلى حالةٍ جماليّة متعدّدة الوجوه وتتضمّن عناصرها الرّئيسة المعَقَّدة، أو ما يُسمّى (بيت القصيد)، كما في لوحةٍ مُمَيّزة، تُثير الفضول، أو الدّهشة لدى ناظريها.. وعلى النّقيض من النّزعة الشّكليّة التي تُفضِّل الشّكل على المضمون.. والنّزعة الطبيعيّة التي تُطابق بين الاثنين... ومن المعلوم أيضاً، أنّ كلّ شيء يزول، ويبقى الشّعر... وشاعرُنا البعلبكي حسن محمود الشّلّ، مَدَّ للحرف بساطه الأخضر وفكره الوَزين، وأحاطه بِطيبِ النَّسَق والحكايا الجميلة.. بأناشيد نبويّة ومخاطبة الرَّسول محمّد (#) والصّحابة الأطهار وآل بيت النُّبُوّة، سلام لله عليهم، في ديوانه «أُمّتي وقلبي وأوراقي القديمة»، الصّادر في العام ٢٠١٦، والذي أهداه الى والده الطيّب، حفظه لله، وإلى سائر أفراد العائلة، وإلى صديقه الشاعر الرّاحل جهاد الصّلح، وإلى أساتذته عُلماء الشّرع، وإلى مُحبّي اللغة العربيّة.. والذي وصَلني، نيابة عن مؤلّفه، من الصديق والزّميل الدكتور حسين أحمد سليم... وقد جاء في أوّل مقدّمة للدّيوان، بقلم الأستاذ نسيم بعلبكي: «الشِّعر عند العرب هُويّة وتاريخ، وثقافة، وعِلم وفَهم وصوت وصورة وصنعة وخيال وجَلال وجَمال وإبداع وإسماع وإمتاع»... وفي مقدّمة ثانية، للصّديق والزّميل العزيز الشّاعر إبراهيم الصّلح: «يا بَعْلَبَكُّ، لَئن قالوا وإن كتبوا كلَّ الجَمال، وأَبْدَت عَجزها الكُتُب طَنّوكِ سابعة الأرقام، مِن عَجَبٍ وما دَرَوْا أَنَّكِ الإعجاز والعَجَب، فأَكْرِمي حَسَناً، إنَّ التُّقى حَسَنٌ شَيٌخٌ أَبيٌّ، جليلُ القَدْر مُحتسبُ أغنى القوافي بفَيْضٍ من مَواهبِه وأَوْجَبت يدُهُ، في الدّين ما يجبُ لم يُعْلِهِ المدحُ، لا شِعراً ولا أَدَباً لكن، بمَدحه يسمو الشِّعرُ والأَدبُ»... ومقدّمة شعريّة أيضاً من الشيخ حسن عبد العال الصّيداوي: «ما زادَ فخراً بعلَبَكَّ حجارةٌ للرّوم، في عظم البناء المعجبِ بل فخرُها الباقي لها، أن أنجبت عُلماء، شادوا كلّ صرحٍ مُرعبِ أوَ ليس قد ولَدت لنا يوماً، كالْاوزاعي، رُباكِ إمامَ عِلمٍ، فاعْجَبي ما زلتِ شاهدةً على أمجادها ان تعجزي عن مثلِه أن تُنجبي...».
ومن قصائد الديوان: مُحمَّدٌ ، خير الوجود، مُحمّدُ هو أوّلٌ هو آخرٌ، هو أمجدُ وهو الرّؤوف هو الرّحيمُ بأُمَّةٍ مَن مِثله بين الأنامِ مُحمّدُ؟!... بين الشّموس، ضياؤهُ مُتَكامِلٌ هو حاضرٌ هو عاقِبٌ هو أوحَدُ هو مصطفى هو مبتغى هو مُجْتبى من أطهر الأطهار فهو مُفرَّدُ ملأَ الوجودٍ، صلاته وسلامه صلّوا عليه ومَجِّدوهً لِتَسعدوا...
ومن شعره أيضاً: يسُرُّني حاضرُ الأشعارِ أو بادِ إذا يهيمون أعلى الشِّعر أو وادِ لا تعجبوا، لستُ بالأشعارِ أحسدُهم فكلّهُم فيهِ أولادي وأحفادي...
وأَخيراً، فإنّ صُوَر اليقظة وتفاصيل الحياة يُنتجُها دائماً، صانعو الأعاجيب.. فكم من الإصدارات نقرأ ونشعرُ حَيالَها بخَيْبةٍ لا توصَف.. ولِمَ لا؟! فالمرجعيّة غائبة، والذّائقة مفقودة، ولا يلجأُ صاحب فكرة الكتابة إلى الرّقابة الذّاتيّة، ولا يسأل، هل أنّ ما يكتبه له علاقة بالشعر، أم لا.. في وقت أنَّ للشِّعر قيمة حضاريّة سامية.. والشّاعر هو رسولٌ، يوحى إليه، كما للأنبياء والرُّسُل.. والشّعر هو السّحر الذي نحملُه في نفوسنا، ولا نستطيع التّخلّي عنه، والشاعر الشيخ حسن محمود الشَلّ، يُقيم هانِئاً في واحاتِه الفردوسيّة البعلبكيّة، يتلفَّحُ بأحلام الأساطير ويبتعد عن زمَن الذّبول.