لعل أهم ما استوقفني في خطاب القسم، إيلاء صاحبه المقدام، الشأن الوطني، لا السياسي الضيق، الاهتمام الأول! أتوقف هنا عند اقتراحي بأن يوعد المبدعون المعمّرون بتكريم يسبق رحيلهم ويليق بهم وبانجازاتهم!…
تكريم المبدعين المعمّرين، من رجالات العلم والأدب والفن والإعلام، ظاهرة حضارية رائعة، ولفتة كريمة سمحة، تبديها الدولة الحضارية نحو أولئك الذين وقفوا حياتهم، وبذلوا نفوسهم، على مذبح التضحية والفداء.
والتضحية أنواع، منها الشهادة في سبيل الوطن، كل الوطن، وليس سوى الوطن. وهذه أسمى ألوان البذل والعطاء ونكران الذات. انها دفاع مباشر عن كرامة الوطن، والذود عن الحق المهيض الجناح، وذلك واجب لازب، تفرضه الوطنية الحقّة، وتحتمه المروءة الإنسانية النابعة من أعماق القلب الزاخر بمشاعر الأخوة والإيثار. ومنها الإعراض التام عن متع العيش، والانصراف التام عن لذات الوجود، إلى ما فيه الخير العام، ونفع المجتمع البشري سواء كنا فيه، أو كنا بعيدين عنه.
ورجالات الفكر، وأرباب الشعر، وحملة الأقلام والازاميل والريش، الذين يذيبون أدمغتهم، ويفنون عيونهم، ويجعلون دماء قلوبهم حبرا يدفعون به الافتراء، ويثبتون به الحقائق، وينيرون بضوئه الأذهان، لا يقلّون شأنا عن أولئك الأبطال الصناديد الذين يخوضون المعامع، ويناضلون عن الحمى، ويموتون وعلى أفواههم بسمة الشهادة.
أرجو ان تلتفت الدولة بعد حركتنا الوطنية المتوقعة التي أرى ان رئيسها المقدام سيرسي دعائمها، إلى هذه الناحية المهمة، فتبدأ بتكريم الشهداء الأبرار، واحتضان أبنائهم، وتوفير العيش الرغيد لعيالهم. فمن حق من جاد بالروح من أجل بلاده، أن يكون في رحاب الخالدين، قرير العين، مطمئن النفس، على مستقبل أسرته، وأن يعلم ان دمه لم يذهب هدرا، بل أزهر فوزا ونصرا، وأثمر ثمرا طيبا يجنيه من تركهم برعاية الله عزّ وجلّ.
ولا يكتفي المسؤول الأول بتكريم شهداء الوطن، بل يعطي كل مبدع حقه من التكريم ويشيد بمواقفه المشرّفة ووقفاته البطولية لمناهضة كل أعداء الوطن الذين يطمعون بابتلاع وطننا وسلب كنوزه الطبيعية والأثرية الوافرة.
خير أن يأتي الشيء متأخّرا من ألّا يأتي أبدا! وألف شكر لكل من كُرّم أو سيكرّم من مؤسسات خاصة حتى الساعة كبارا لدينا. الشكر لكل من وضع في عروة لغتنا الغالية برعم ورد أو ورقة غار!
أستاذ في المدرسة الحربية ومدرسة القوات البحرية خلال ٤٥ عاماً