إختتم تجمع «فيحاؤنا - حاضنة الثقافة لكل الأزمان»، أنشطته لسنة 2024، بندوة عقدت في مركز الصفدي الثقافي في طرابلس، عن الفيلم الوثائقي «سيلما»، من إخراج الفنان هادي زكاك، بالإضافة الى معرض على مدى ثلاثة أيام في المركز، تضمن صوراً تذكارية عن وضع قاعات السينما في طرابلس المتوقفة حالياً عن العمل، في حضور مهتمين ورؤساء الجمعيات المنضوية الى التجمع.
يوسف
بعد النشيد الوطني، قدّم للندوة أحمد يوسف فقال: «نعود لنختتم معا عاما حافلا بالنشاط والإنجاز يحمل بصمات الإبداع والتنوّع، في إطار من التعدد والإنتشار في شمالنا الحبيب بعامة وفي طرابلس الفيحاء بخاصة».
أضاف: «كان اللقاء تحت عنوان تجمّع فيحاؤنا - حاضنة الثقافة لكل الأزمان، حين إلتقينا عشر من الجمعيات الثقافية الفاعلة في المدينة وفي محيطها منطلقين من حبنا للفيحاء والمساهمة في إزكاء شعلتها التي لن تنطفئ متفقين على برنامج سنوي تم تحقيق القسم الأكبر منه بالرغم من كل الظروف».
زريق
ثم قدّم يوسف رئيس الهيئة الإدارية لمؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية الدكتور سابا قيصر زريق، الذي أعلن إختتام الأنشطة لسنة 2024، فقال: «لم يأتِ تكوين إسم تجمعنا كرصف عشوائي لكلماته، بل قمنا بانتقائها لتشكّل رسالة تفي الفيحاء من حقها علينا وعلى لبنان، ولكي ترشح عن تزاوجها معانٍ تعكس فرادة مدينتنا: «فيحاؤنا - حاضنة الثقافة لكل الأزمان».
أضاف: «فيحاؤنا»، إن دلّت هذه الكلمة على شيء، فهي تدلّ على ذلك الإنتماء العظيم، لدرجة أن كلا من المؤسسات المنضوية إلى التجمع تعتبر طرابلس ملكا معنويا لها. وكم كان اعتزازنا كبيرا عندما شعرنا بانسحاب ذاك الإنتماء على كل من المئات من المهتمين الذين كانوا يشاركوننا برامجه. يرمي تعبير «الحاضنة» إلى إثارة الشعور بالدفء الذي يغمر به حضن طرابلس كافة الذين يعززون شأنها الثقافي. و«الثقافة» عنوان عريض جدا لمروحة واسعة من الإنجازات الفكرية والفنية التي ذاع صيت مدينتنا بها. أما تعبير «لكل الأزمان»، فهو يتكلم عن نفسه، شاهدا حيّا على عراقة الفيحاء، ولادة الإبداع والنبوغ، التي ما فتأت إبنة الألفيات الثلاث تدهش العالم بغزارة وجودة ما ترفده من أدب وعلوم وفنون. ولم يكن الحول الجاري، الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، عاما عاديا بالنسبة إلى أعضاء تجمعنا الذين دأبوا على تحدّي الأوضاع المأسوية التي تنخر مجتمعنا منذ عقود من سوء الإدارة والارتكابات، فأضحينا بأمسّ الحاجة إلى ملاذ افتراضي نستعمله كمنصة في وجه الصعوبات والعوائق، مناضلين بيراع أو بريشة أو بكاميرا، مؤججين في داخلنا ولها بالثقافة في ساحات تتخبط النار والدماء فيها».
تابع: «نظمنا محاضرات ومهرجانات شعرية وندوات وورش عمل حول مواضيع ومواهب فنية وأدبية. وكرّمنا علامات فارقة ومميّزة من المستحقين في مجتمعنا، وتعاونا مع جمعيات ثقافية وأهلية من طرابلس وأنحاء شمالية أخرى، تحيط بنا صور معرض «سينما طرابلس، أركيولوجيا ذاكرة جماعية». صور تعيد من منّا شاب أو شاخ إلى تلك الأيام الجميلة، فيرى نفسه مراهقا داخل تلك القاعات، يمضي فيها ساعات من التشويق والمرح. وربما، كما ألمح هادي في فيلمه، لم تكن يد البعض منا فارغة من أنامل حبيبة له أو حبيب لها، وهي لا تستعيد فراغها كلمح البصر، على مضض، إلّا عند انقشاع الأضواء مؤذنة بانتهاء العرض. وختاما، أشكركم على حضوركم، مع تمنياتي للجميع بعام جديد مفعم بالخير، حاملا معه الاستقرار والسكينة؛ وإلى لقاء قريب إن شاء لله مع «فيحاؤنا - حاضنة الثقافة لكل الأزمان».
الولي
وتحدث استاذ اللغة الفرنسية وآدابها في الجامعة اللبنانية الدكتور سعيد الولي، ليجمع العالمية إلى المحلية والعربية في كوكبة من الفنون الجميلة، معرفي ومتابع لحركة الثقافة المتعددة من الغناء التراثي العربي الأصيل والموسيقى الشرقية ومقاماتها إلى الموسيقى العالمية بكل تشعباتها، إلى السينما وتاريخها عالميا وعربيا، صدر له عشرة دواوين وأنشأ مع آخرين نادي السينما في طرابلس وترأسه.
وفي مداخلته اعتبر الدكتور الولي فيلم «سيلما» للمخرج زكاك فيلما وثائقيا عن مدينة طرابلس على مدى ما يقارب المئة سنة. فهو تناول مرحلة صعود صالات العرض مع بداية ملامح لبنان الحديث ثم مرحلة الازدهار وتعدّد الصالات حتى تجاوزت الأربعين في الستينيات والسبعينيات وأخيرا مرحلة الهبوط والاندثار بسبب الحروب والأزمات التي عصفت بلبنان وطرابلس خاصة. وقد اعتبرته «تذكيرا شخصيا لي، أنا الذي ولدت وترعرعت مع الصالات التي ارتدتها جميعا دون استثناء».
زكاك
ثم تناول المخرج هادي زكاك منهجية البحث عن صالات السينما في طرابلس الذي انطلق منذ عشر سنوات وقد أدّى هذا المشروع الى كتاب (العرض الأخير) وفيلم (سيلما) ومعرض (سينما طرابلس اركيولوجيا ذاكرة جماعية).
خلاط
من جهته، قال الأستاذ في علوم السينما وصناعتها والباحث المتعمّق في مجالاتها والمشارك في مهرجاناتها محليا وعالميا إلياس خلاط، ان «هذه الدعوة تشرّفني، والتكلم عن السينما في طرابلس يسعدني، ناهيك عن موضوع الندوة نفسه، فلقد كان لي شرف مرافقة مخاض ولادة فيلم «سيلما» لـ «هادي زكاك» خلال مرحلة التحضير وعند انطلاقته. وقد تعرّفت على «هادي زكاك» من خلال مهرجان سينمائي نظمته في طرابلس عام 2015، وتوطدت علاقتي به من خلال أنشطة «سينمائية» وشاركنا بها في لبنان وخارجه».
أضاف: «هادي زكاك اللبناني، حمل قضية الذاكرة الجماعية في كافة أعماله، فقد تخصص في صناعة الفيلم الوثائقي. هو ابن جيل شهد على انزلاقات وطنية كثيرة... وكبيرة. فمن خلال قصص متنوعة توارثها شخصيا أو شهد لها في حياته، صنع أفلاما تحاكي واقعا مريرا ومن خلال ذلك أرّخ لأزمنة مضت. أعماله لم تكن سوداوية مثلما يظن البعض، كان دائما يبحث من خلالها على نافذة ضوء ينبعث منها الأمل على صورة فيلمه الأخير «سيلما» موضوع ندوتنا اليوم».
تابع: «شاهدت الفيلم بنسخته النهائية ثلاث مرات: في عرضه العالمي الأول في تشرين الأول الماضي من خلال مشاركته في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان الغونه السينمائي الدولي» (مصر) وفي شهر تشرين الثاني الماضي في «معهد العالم العربي» في باريس من خلال عرضه في مؤتمر نظّم عن تراث طرابلس... وفي كلتي الحالتين كان لي شرف إدارة النقاش الذي عادة يأتي مباشرة بعد العرض، وقد شهدت الى الترحيب الذي حظي به الفيلم على المستويين: الحضوري والنقدي... والمرة الثالثة هنا منذ يومين في هذا الصرح الثقافي المميّز وبمبادرة مشكورة من «فيحائنا» صاحبة الدعوة اليوم».
تلى الندوة كوكتيل بالمناسبة.