لا يصعب قطع المسافات اليوم، بعد ان أسرجت العقول الرياح، وراحت أحصنة المحركات تصهل في طبقات الفضاء، وتنقلنا قواها في سرعة البرق من قارة إلى قارة، وكأننا على جناحي نعامة.
الأدب كما قرأته حتى في مكتبات بلاد العم سام، قيمته بنوعه لا بكمّه، فكم من أديب خلّف عشرات المؤلفات، فكانت أكفانا لذكره، وغيره ترك أثرا واحداً، فكان سببا لخلود اسمه. وقد يحيا الشاعر في قصيدة يصوغها، والكاتب في مقال ينسجه، ويموت غيرهما في دواوين وافرة ومجلدات كثيرة!
ان بيتا من الشعر ينبض فيه عرق الحياة لأفضل من ألف بيت، شأنها شأن كومة من الحطب. ولو عرضنا كل ما قيل منذ الإنسان الأول، لما ظفر منه بالبقاء سوى اليسير الذي توارثته الأجيال حتى الساعة. أما الكثير فهو السخيف المهمل الذي يشبه الموميا اليابسة.
مُني الأدب العربي بعد سقوط بغداد وانهيار دولة بني الأحمر في غرناطه بوهن لزمه حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد قيض لوطن الأرز أن يكون مبعث النهضة الأدبية والعلمية في الشرق العربي، ورائد الشعر المتحرر من الأغراض القديمة. وما أطلّ القرن العشرون، حتى ظهر فيه سرب من الشعراء خرج على النظم التقليدي، فجمع بين الفن اللفظي والصور العاطفية. وكان في طليعة هذا السرب، بشاره عبدلله الخوري الملقب بالأخطل الصغير. ولسنا نغلو إذا دعونا النصف الأول من ذلك القرن بعصر الأخطل الصغير!...
لم يكن شعراؤنا مجدّدين بغمغمات لا تفهم ورمزية لا تدرك، وما أعوزتهم التشابيه، كما لم يلجأوا إلى تشابيه قد تكون جميلة ايام قيلت ولكنها سخيفة مبتذلة في عصرهم. وسخافتها ليست في معناها بالضرورة وإنما في ترديدها.
نحن لا نطالب الشاعر بابتكار موهوم، فالأفكار شبه مشتركة ويظن الكثيرون انهم ابتدعوها فيما سبقهم إليها كثر ممن كتبوا وأجادوا وتبحّروا! والشعراء الأصيلون والمجدّدون معا يتباينون بتباين الصور، ولا نقول لأحدهم انه فتق معاني ما خطرت في مخيلة بشري، لأننا نعلم ان المعاني تقريبا كالالفاظ يستعملها الناس سواء، وإنما يختلفون إخراجا وذوقا.
هذه ألفاظ اللغة مشاع لكل طالب عبر المعاجم والتكنولوجيا الحديثة، فعلام نرى هذا الكاتب يختار حسانها ويؤلف منها كلاما سائغا، ونرى غيره مهما اجتهد لا يحسن وصف جملة فصيحة، فالفرق إذا في حسن التأليف والحذق في الاختيار. والمعاني والصور قد تراود خواطر الكثيرين من الشعراء، ولكن، ليس في طاقة كل شاعر أن يبرزها في شكل رائع. وفي هذا سر التباين والتفاضل بين شاعر وآخر، في هذا سر تفرّد الشاعر الملهم.
نقع على بيت من الشعر فكرته بديعة، ولكن صورته هزيلة، فلا يعلق بذهننا ولا يهزّ مشاعرنا، ثم نقع على الفكرة عينها، وإنما في صورة فتّانة ابتدعتها مخيّلة تعرف كيف تولد فتسحرنا، حتى نحسبها طريفة لا عهد لنا بها.
إلام تعبث الفوضى بمعظم شعر اليوم؟ إلام يرهقه الابتذال؟ إلام نقع على حطام مبعثر، وعلى أناس مفتونين وحدهم بأشعرهم؟ إلام يركن بعضهم إلى المديح حول الموائد يحدوهم التملق والتصنع، فيجيء نسيجه واهي الخيوط، ناصل الألوان، مفكك الأوصال، حظه من الحياة دقائق معدودة ثم يطوى؟ أين «المسؤولون» عن عقولنا يرعون كبار الأدباء، عسى أن يعود لبنان منجب العباقرة الملهمين، والشرفاء العقلاء على العموم؟؟!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه