لا يتعب الظل من صاحبه، وكذلك هو لا يضجر منه، نعم، ولا يعييه أمره. فالظل هو إمتداد لصاحبه، وهو يكبر ويصغر بحجم الضوء الذي يسلّط عليه. هكذا يصير الظل عملاقا على الشاشة، بينما يظل صاحبه واهنا كما هو.
كيف نقنع الظل، أن صاحبه قزم، وأنه صغير، وأنه نحيل العود، بينما هو يرى نفسه وقد إمتطى الأرض؟!
من الصعب أن نجالس الظل، وأن نعقد معه السهرات والوصفات، وأن نطيل معه الحديث تلو الحديث، حتى نبرهن له أنه اللاشيء، أنه الظل، أنه مجرد ظل، وأن الأضواء والأنوار والشموس، هي التي تمنحه مثل هذه الشساعة، مثل هذا الطول والعرض، مثل هذه الضخامة...
لا يقتنع الظل بأنه من السهل أن يمحى من الوجود، فقط أطفئوا الأضواء والقناديل، فقط خذوا صاحبه إلى العتمة، إلى الغرفة المظلمة، دعوه هناك سجين نفسه بنفسه، واسألوا آنئذ عن ظله، هل يوجد بعد ذلك له ظل؟!
مرة كان الظل يتمدد كلما كانت الشمس تضرب صاحبه، غير أنه فجأة دخل في محنة، حين آبت الشمس إلى مهجعها، وخلفت صاحبه ورائها، فلم تعد له حركة، ولم يعد ينبس ببنت شفة.
نحن ظلال أفكارنا، نحن ظلال عقولنا، فإذا ما إضمحلت، «قصرت أخادعنا وغار قذالنا».
تعالوا إذا ننمّي العقل والفكرة والرجاء والأمل، حتى يطول ظلنا على الأرض، حتى لا نغادر الشاشة، فالأصل ضارب فينا، والفرع بالغ السماء، الأصل هو عمقنا، وإنما نحن فرع لهذا العمق، نحن ظل له، ينطح السحب، يقارعها ويدفعها عنا. لماذا لا نفهم الرواية من أولها؟ لماذا أغلق علينا الفهم؟
وجودنا كله، لعبة الضوء والأصل والظل. احفظوا هذه المعادلة واشتغلوا عليها. دعوا الضوء ينزل إلى الأعماق، ينيرها من جميع الجوانب، حتى نفهم حجم الظلال التي تمتد لنا.
فكل هذه الحركة الخفيفة والثقيلة، إنما مبعثها من العمق، لا تدعوا الشمعة تسقط من أيديكم، لا تدعوا السراج يشح، فلا تستبينوا بعد ذلك العمق والأصل والظل.
هي دعوة لإنارة العقول، وإنارة الأعماق، والتبصّر مليّا فيما نحن عليه، وفيما نخشاه أو نخافه، لا يخاف الإنسان إلّا من العتمة، فإذا ما أغرقته، لا يعود له أصل ولا فرع.
هذا الركام من المجتمعات، إنما هي تحتاج إلى النور الذي وحده يقيم بنيانها ويجعلها تنهض على قدم وساق، تسابق الريح وتسبقها، وتجعل ظلالها، كما الأشجار الوارفة، فما ضاعت المجتمعات المستنيرة، ولا ضاقت بها الأرض.
في معادلة الأصل والظل، ابحثوا عن خيط رفيع من النور، دعوه يتسلل إلى أعماقكم، يكشف لكم الظلمات التي تخفي الحجوم الحقيقية.
نور يخرج من عمق الشمس، يدخل في أعماقنا، ويدلّنا بعد ذلك على الأصل والظل.
أستاذ في الجامعة اللبنانية