الكبير يسامح والأكبر يطلب المسامحة.
قبول الآخر في خصائصه هو قبول مشيئة الله في عبيده. لذا، جادل الآخر بالحسنى لتراعي المودّات وتقيم مع الآخر توافقاً إنسانياً يتجاوز التعدد الديني أو الثقافي.
تاريخ الإسلام حافل بمآئر الولاة المسلمين ممن طالت يده فعفَّ وقدر فَعَفا وممن هداه دينه السمح إلى المساواة بين الناس يشملهم جميعا بالعدل والإنصاف. إبراهيم باشا، مثلا، حكم بلاد الشام ونشر في ربوعها الأمن والطمأنينة، فأشادَ بحمده النصارى قبل المسلمين فتفاضلوا جميعا بالتقوى ومكارم الأخلاق وتميّزوا لديه بالطاعة وبالمواطنة وجلائل الأعمال.
المحبة والخدمة تليّنان قلب الآخر والسماحة من قبلك تصير تسامحاً متبادلاً بينك وبينه ويكون الله الجسر بينكما. وليس في تاريخ الفاتحين قوم أَحنى على الأمم المغلوبة وأرعى لشؤونها واسمح في الابقاء على معتقداتها من المسلمين. المسلم الحق لا يدخل بين العبد وربه. يوقّر المؤمن بالله وبسواه ويوفّر سبل السعادة له يقوم بها في دعة واطمئنان. حصافته أن يدرك ان مجده رهن اتحاد العناصر المكوّنة لمجتمعه.
فأين مَن يسبّح بحكمه أو حكمته القاصي والداني من اخوته في الإنسانية أو حتى في دينه بالذات؟
أين مَن تنزله القلوب منها في الصميم؟ الامَ يسأم مسيحيون خسفاً من اخوتهم في المواطنة أو يذوقون ألوانا من الجور والاضطهاد شبيهة بما ذاقه أجدادهم على عهد نيرون الطاغية؟ ما مصير معابد وأديرة ورهبان وراهبات في معلولا وسواها؟ حتّامَ يغيب أسقفان جليلان عن أهلهما ورعاياهما وهما مجرد كوكبين نيّرين يشعّ فضلهما، ومآثرهما الجليلة تعطّر مجالس بني جلدتهما جميعا وتثير اعجابهم؟
سماحة المسلم وسواه وحدَها، تكسِب مَن تحلّى بها، وهم جماهير، القلوب، وتطلق الألسنة بالحمد والدعاء، وتطير الى ما وراء حدود العرب لتلفت البصر والبصائر وتحقق آمال الشعوب كافة.
لا يظفر بغار الإسلام والأديان السماوية إلّا مَن أجهد العقل وكافح لئلّا يمسي إيمانه ارهاباً فكرياً هو أساس كل ارهاب!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه