بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 آذار 2025 12:00ص التفلْسف بوصفه اشتغالاً جسديّاً

حجم الخط
علي البزّاز*

يَنظرُ الكاتب المغربيّ عبد الصمد الكبّاص، الباحث في الفكر الفلسفيّ المُعاصِر، إلى التفلْسف، بوصفه انشغالاً جسديّاً، بعيداً عن كونه انشغالاً مؤسّساتيّاً، بمعنى الدَّرس الكلاسيكيّ الفلسفيّ. وعليه، فهو يَلوم الفلسفةَ باقتصارها على الفلسفة فقط، إذ يُمكن توسيعها نحو مُمارَسةٍ لليوميّ وللمُهمَل وللعابِر لتشملَ الرقصَ والموسيقى والمعمارَ والمقهى.
يكتبُ الكبّاص عن الجسد بوصفه من أنطولوجيا الحاضر وثورة المستقبل، فلا حداثة ولا تجديد من دونه. أَصدر في ذلك: «الحقّ في الجسد» (منشورات مركز الأبحاث الفلسفيّة، 2008، دار إفريقيا الشرق - الدار البيضاء 2014)، «الجسد وأنثروبولوجيا الإفراط: خَيْبة التمثيل» (دار رؤية، القاهرة، 2021) وسواهما من المؤلَّفات.
في كتابه «ميديولوجيا الصورة والنصّ في الصحافة زمن الانتقال الرقميّ» (2003)، لا يفصل الكبّاص الحائز على شهادة الدكتوراه في السيميائيّات والإعلام والتواصُل، شاشةَ الكمبيوتر والورق عن الوجود الرقمي وتأثيراته على الجسد، إذ تجاوزَ «الإخبار»، مهمّةَ الصحافة التقليديّة، إلى الإسهام في الشأن الاجتماعي، وإلى كيفيّة تأثير الانتقال من الورق إلى الشاشة في تحقيق مفهومٍ جديد للصحافة. وهو يؤكِّد بذلك أنّ الإخبار هو التجلّي السطحي للمهامّ الجوهريّة التي تُشكِّل الوظيفةَ الأعمق للصحافة؛ فهي أوّلاً آليّة «الإنتاج العامّ»، أي إنتاج القضايا التي تَحظى باهتمامٍ عامّ. هذه العمليّة حاسمة جدّاً في اشتغال السلطة وبلْورة مسالِك للحقيقة التي تفيدُ في تحويل المُجتمع إلى منظومةٍ جاهزة. إنّ الإشكال المطروح هنا يتعلّق في الدرجة الأولى بالصحافة كمُمارَسةٍ للحقيقة، كشكلٍ من التحويل، يتمُّ بوسائل رمزيّة وماديّة لجعْلِ العالَم قابلاً للاستهلاك العمومي وفْقَ عقائد ضمنيّة، تُباشر مفعولَها في ترسيخ مزاعِم الحقيقة في فضاء الصراع الاجتماعي.
يظهرُ المُشكل هنا، في إهمال وظيفة الوسيلة الماديّة المُستعمَلة في تخزين الأثر وتوزيعه، والآثار الثقافيّة المترتّبة عن كلِّ انتقالٍ فيها؛ فالقفزة من الورق إلى الشاشة الإلكترونيّة هو في عُمقه قفزةٌ بين منظومتَيْن ثقافيّتَيْن، الأولى تتكّون حول الورقة كمكانٍ نصّيّ لجمْع العالَم وتعقُّله، بسبب ارتباط هذه العمليّة بالبناء الرمزي الذي تمارسه الكتابة كنظامٍ تعاقبي يَشتغلُ في غياب الحَدَث ويترسّخ على الفجوة ما بين حدوثه والكتابة عنه، وبين كلّ هذا وبين زمن قراءته. هناك إذاً نَوع من الإبطاء يسمحُ بانتعاشِ آليّات التفاعُل مع الحدث الذي يُقلِّص من دَور مُحفّزات الانفعال (الصوت مثلاً) ويدفع إلى الأمام مُحفّزات التعقُّل والنقد.
لكنْ في الشاشة الإلكترونيّة، تتشكّل منظومةٌ ثقافيّة مُختلفة عن منظومة الوَرق، لا ترتكزُ على الإبطاء وإنّما على الفوريّة، بداعي أنّ الشاشةَ هي التعبيرُ المجازيّ عن الميديوم الشامِل اليوم، ما يَجمع ما بين النصّ والصوت والصورة دفعةً واحدة. في هذه الفوريّة يصيرُ كلُّ ما يَظهر على الشاشة، سواء أكان نصّاً أم صوتاً، عنصراً من نظام الصورة. إنّه نظام مُعَدّ للمشاهدة بالتحفيزات التي تُشكّلُ حزمةً مُرافِقة لهذا الفعل. يعتقد البعضُ أنّ الانتقالَ إلى الشاشة الإلكترونيّة هو نهاية للصحافة الورقيّة. في العُمق هو نهايةٌ للصحافة النصّيّة التي بدأت تتخلّى بسرعةٍ كبيرة عن نفسِها لجهة هيْمنةِ الفيديو والمُباشر، ونهايةُ نمطٍ عرفَهُ الصحافيُّ كمُنشئٍ للنصّ أيضاً، ليعوّضه الصحافي الاصطناعي، والذي تنجزُ التجهيزاتُ الذكيّة كلَّ مهامِّه. يحصل ذلك عندما نُخضعه لتفكيرٍ أعمق عبر انتقالاتٍ في الذّات؛ فالشاشة مرتبطة بمجيء الكائن الشبكيّ المُؤسَّس على عقيدة الشاشة المرتبطة بالشبكة، وهي المكان الأمثل لتحصيل العالَم، مثلما يعتقد أنّه على ارتباط بالعالَم، طالما أنّه مرتبط بالشبكة؛ وإذا ما حدثَ العكس، فهو مطرودٌ خارج الوجود، ومُشرَّدٌ خارج دروب الحقيقة الجديدة.
هكذا، فثمّة متغيّرات جوهريّة لا بدّ منها، سوف تطرأ على العلاقة بين النصّ والصورة لدى انتقالها من الورقيّ إلى الرقميّ.كان النصّ والصورة في النظام الثقافيّ المَبنيّ على الورق يُعتبر طَرداً لسلطة الصوت، الذي يُعَدّ أساساً شحنةً انفعاليّة قَبل أن يكون علامةً رمزيّة للدلالة. وهو ما يَسمح للنصّ والصورة بتوسيع عوالمهما عبر امتدادات التفاعُل بين الطّاقة الدلاليّة والنفسانيّة المترتّبة عن كلّ واحدٍ منهما؛ لكنْ في منظومة الشاشة، فالمكوّنات الثلاثة تُشكِّل عناصر من ضمن نظامٍ واحد هو نظام الصورة.
غير أنّ النتيجة المُفاجئة التي جاءت بها التكنولوجيا مع هيْمَنة الفيديو (متوالية من الصور الناطقة المُتحرّكة)، هو ترسيخ سلطة الصوت على نظامَيْ النصّ والصورة. بمعنى أنّ الفيديو يُشكّل عودةً إلى ما قَبل الكتابة، أي إلى هيْمنة الشفهي. أمّا ما يَظهر فيه، أي الصور، فهي ليست سوى حاملٍ لهذه الهيْمَنة. إذا ما فُهم جيّداً مُؤدّى هذا التحوُّل، سنُدرك خطورته. أقصدُ أنّ إنتاجَ العالَم والتفاعُل معه، ستتقلّص فيه تحفيزاتُ التعقّل وسيُهَيْمن عليها الانفعال.

صرْنا تكنولوجيا لا غير

يبدو أنّ الفضاءَ الرقمي أو الوجود الرقمي سيشمل الوجودَ قاطبة، والأدب ليس بمنأىً عن ذلك، بل هو يَقع تحت وسائل التقنيّة، يقول الكبّاص: «المُقلِق حقّاً هو الطفرات التكنولوجيّة المُرتبطة بالتوليد الاصطناعي للنصوص. أَصبح الإنسانُ امتداداً للتكنولوجيا المهيْمِنة ومجالاً لتوسيع نفوذها فحسب. إنّنا تكنولوجيا لا غير. إنّ سحرَ الإبداع المنسوب إلى النصوص سوف يُصبح شأناً آليّاً. كما ستتزعْزَع الثقةُ التي يَحظى بها الخطاب، باعتباره أداءً إنسانيّاً. يَحدث ذلك اليوم مع الترجمة أيضاً؛ إذ يَسمح الفضاءُ الرقميّ بتهْيئة مجالٍ بديل لتوزيع الأثر، يَسمح بنَوعٍ من الدمقْرَطة على مستوى الحقّ في التعبير، والحقّ في الاستفادة من الخيرات الرمزيّة والجماليّة؛ لكنّه سيضربُ في العُمق القيمةَ الاعتباريّة للأدب. الاقتصاد يُعلّمنا ذلك؛ فالقيمة في حاجةٍ دائمةٍ إلى نظامِ النُّدرة».
ينتقلُ عبد الصمد الكبّاص من الورق والشاشة إلى الرغبة والحاجة والمتعة في كتابه: «الرغبة والمُتعة: رؤية فلسفيّة ما بين الجسم والجسد»، الذي يَعتبره فضاءً لمُمارَسة الذّات والحريّة، أي أنّ للجسد نظامَهُ المعرفيّ والحّسيّ والاقتصاديّ، كما قال جيل دولوز في «اقتصاد الرغبة».
الجسم هو نظام الحاجة، والجسد نظام الرغبة، ونحنُ مساحة لصراعٍ يوميّ لهذَيْن النظامَيْن. المدينةُ مثلاً، هي حصيلة احتدام سيرورات الحاجة التي تُملي منطقها، وتدفّقات الرغبة في منافذ العبور والإشباع. إنّها حلبة مستمرّة للصراع بينهما، بين عنف الاستهلاك والجماليّة. عندما نحتاجُ، فنحن نستهلكُ، أي نفنى؛ وعندما نرغبُ، فنحنُ نبتكر.. نبتكرُ ذواتنا والعالَم الذي يخصّ رغباتِنا. تُضاعف الرغبةُ القيمةَ، وعليه، فثمن قطعة صغيرة من الشوكولاتة، يُضاعِف مرّاتٍ عدّة ثمنَ خبزة كبيرة، على الرّغم من أنّنا لن نموت إذا لم نتناول الشوكولاتة، في حين أنّنا قد نموت جوعاً إذا لم نَجِد ما نأكله.
تؤثِّر النظرةُ «الجديدة» للجسد على النظام السياسي العربي، وبالتالي، فهي تَمنح مُواطنَه آفاقاً جديدة سياسيّة واجتماعيّة.. كأنّ هناك مبادئ ثوريّة سياسيّة يفرضها التعامُل مع الجسد؛ كما يشير الكبّاص إلى ذلك في كتابه «الجسد والكونيّة.. مبادئ ثورة قادمة».
لا شيء سيتغيّر إذا لم تتغيّر النظرةُ إلى الجسد، باعتباره المساحة الأساسيّة لوجودنا؛ فإشكاليّة الجسد توجد في كلّ مكان، وهي إشكاليّة السياسة، هي قاعدة الاعتراف. ما الجدوى من أن أكون حرّاً في اختياراتي السياسيّة وغير حرٍّ في اختيارات جسدي؟
الإنسانُ كونٌ شاسع، يتعدّى الحربَ والدمارَ والسياسة، بل وحتّى الأدب، كما في المقولة الشهيرة «تحسب أنّكَ جُرمٌ صغير وفيكَ انطوى العالَم الأكبر». وهكذا، فهو لا يُناسِب طبيعته الأعظم والأشمل مِمّا هو متوقّع منها، كما يقول الكبّاص في كتابه: «الجسد وانثروبولوجيا الإفراط.. خَيبة التمثيل».
فالفرضيّة الأساس التي بُني عليها الكتاب الآنف الذكر، هي أنّ الإنسان كائنٌ لا يُناسب طبيعته، فما يتوقّعه منها، هو أكبر بكثير مِمّا تستطيع الوفاء به. هكذا كان الإنسان دائماً كائناً انتهاكيّاً، لا يكتفي بالمادّة، بل يصنع الرمزَ. لا تُشبعه الأشياء، بل يخلق الصور. لا يكتفي بالرغبة، بل يتكلّم عنها. وكلّما وضعَ حدوداً، كلّما سارَعَ إلى انتهاكها. فالمشكلة الأساس تكمن في أنّه يَطمَئنّ إلى أنّه عن طريق التمثيل سيُحاصِر طبيعتَه المُحبطة ويتجاوزها، لكنّه سيُواجه في الوقت ذاته حقيقةَ أنّه عنصرٌ صغير من عمليّة التمثيل نفسها ليس إلّا. إنّها خَيْبة التمثيل.
يسعى عبد الصمد الكبّاص إلى تقديم الجسد كثورةٍ اجتماعيّة وسياسيّة ومفهوميّة. الإنسان بوصفه بِنيةً تكنولوجيّةً مضاعفةً (بحسبه)، يعني من جانبٍ آخر أكثر إلحاحاً، قيامة تكنولوجيا الحاجة وتكنولوجيا الرغبة؛ فالعالَم يَستعمُلنا من خلال الحاجة، لكنّنا في الرغبة، نحنُ من يستعمل هذا العالَم. يقول: «الرغبة ليست أوّليّة من حيث اشتغال الإنسان كوظيفة في الحياة». أمّا الحاجة فهي أوّليّة. يَبدأ الإنسان مع الرغبة (وهي نظامٌ طارئ)، ما يعني أنّه كائنٌ طارئ في بِنيته الخاصّة أيضاً.
يقول جيل دولوز «أن تقول أحبّك عوض أشتهيكِ، يعني أن تقترح مهمّة لانهائيّة».

* كاتب عراقي مُقيم في أمستردام
(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)