جنان العلي
إنه جيل «الضوء الأزرق» و«الوهم الوردي»، رقميون بالفطرة؛ الجيل الذي يظن أن العالم يُدار من شاشة بحجم كفّه، وأن الحكمة يمكن اختصارها في «ستوري» من عشر ثوانٍ. جيلٌ يكتب كثيراً ولا يقول شيئاً، يشارك يومه مع الجميع ولا يعيشه مع أحد، يتواصل آلاف المرات في اليوم دون أن يتّصل فعلاً بنفسه أو بالآخر. هم أبناء «السرعة»: وجباتهم سريعة، مشاعرهم سريعة، وحتى أحزانهم لها مدة صلاحية قصيرة. يبدأون علاقاتٍ افتراضية بكلمة «هاي» عابرةٍ كإشعارٍ بعد منتصف الليل، وينهونها بكلمة «بلوك» مفاجئةٍ تسقط كصاعقة وكصفعة رقمية على الشاشة. جيلٌ لا ينتظر شيئاً لأن الانتظار يحتاج صبراً، ولا يصبر على شيء لأن الملل لديه عدوٌّ بيولوجيّ. يزوّجون أنفسهم عبر تطبيقات، ويتطلّقون بضغطة زر، ثم يكتبون منشوراً عن «الطاقة السلبية» ويمضون إلى تجربةٍ جديدة قبل أن يجف حبر التعاطف.
في زمننا، كان الزواج لقاء عائلتين، لقاء قلبين، حديثاً طويلاً، والتزاماً يُفهم بالعقل قبل أن يُقال بالقلب، وكان مشروع العمر يبدأ من تلك اللحظة، يُبنى صبراً، حباً، وأملاً مستمراً، لا مجرد تجربة عابرة. كنا نحن نُحبّ ببطء، نغضب ببطء، نتصالح بعد تفكير ونكتب الرسائل بخطٍّ يشبه نبض القلب محمّلاً بأرقى المعاني...
أما هم، فيتبادلون الوعود كأنها رموز استهلاك: «أحبك» في الصباح، «لنفترق» في المساء. الزواج اليوم قصة تبدأ بفيديو قصير وتنتهي بـ«طاقتنا غير منسجمة»، كأن القلوب أجهزة كهربائية تحتاج شحناً لا يأتي، والعواطف معلّقة بين إشعارٍ وإيموجي. جيلٌ يخاف الوحدة لكنه لا يحتمل القرب، يبحث عن الحب لكنه يهرب من الالتزام، يكتب «نستحق الأفضل» بينما لا يمنح أحداً فرصة ليكون أفضل!
ننظر إليهم أحياناً بدهشة، وأحياناً بشفقة... ذلك الجيل الذي يضع إيموجي «الوجه المبتسم» بدل أن يضحك من قلبه، ويضع إيموجي «القلب» بدلا أن يقول انه يحب، ويكتب «ممم» لتضليل المعنى، ويترك «تمت القراءة» بدل أن يجيب. جيلٌ يرى في «الستوري» تواصلاً، وفي «البلوك» شجاعة، وفي «الميمز» فلسفة. نحن كنّا نتحدث وجهاً لوجه، نقرأ الملامح، نراقب رمشة العين ورجفة اليد ودقة القلب، ونستدلّ من النظرات ما يعجز عن قوله الكلام. هم إذا اشتاقوا كتبوا منشوراً لجمع الإعجاب واللايكات، ونحن كنّا نقطع نصف المدينة لنقول: «اشتقت لك» لأحدهم ولنتشارك معه حديثاً وقهوة.
هم يعيشون في عالمٍ مضاءٍ بشاشات، مظلمٍ بالعزلة. وجوههم متقاربة على الشاشة، بعيدة في الواقع، يلتقطون الصور أكثر مما يلتقطون اللحظات، ويتواصلون كثيراً دون أن يتصلوا فعلاً. جيلٌ يبدّل مشاعره كما يبدّل فلاتر صوره، يختصر الحب في «ريتويت»، والفقد في «بوست»، والوجع في «إيموجي حزين». كل شيء عندهم سريع... حتى النسيان. بينما كنّا ننتظر الرسالة الواحدة كأنها وعد حياة، يتنقّلون هم بين عشر محادثات في الدقيقة، يكتبون جملاً بلا وزن، ويمسحونها بلا أثر. لقد خسروا البساطة التي كنّا ننعم بها - دفء اللقاءات، وصدق الانتظار، وصوت الضحكة الحقيقي لا المسجّل. خسروا القدرة على الصمت الجميل، ذاك الصمت الذي كان يعني ألف كلمة، خسروا متعة الحنين، ومتعة الاشتياق دون إشعارٍ يُخبرهم متى آخر ظهور، خسروا فنّ الإصغاء، وطقس الحكايات الطويلة على فنجان قهوةٍ باردةٍ من كثرة الكلام الجميل... خسروا حتى العفوية... تلك التي كانت تجعل الخطأ جميلاً لأنه صادق، خسروا لحظات الانتظار التي كانت تُربّي فينا الصبر، خسروا ارتباك النظرة الأولى، وخسروا جمال التردّد قبل البوح، حين كان القلب يتكلم بلا «إيموجي»، وخسروا دهشة اللقاء بعد طول غياب...
إنهم أذكياء يعرفون كل شيء عن العالم، لكنهم لا يعرفون أنفسهم. يعرفون «الترند» لكنه يبتلعهم، يعرفون طريق الشهرة، لكنهم يضيعون في طريق الروح والفكر. يعرفون كيف يصنعون المحتوى، لكنهم لا يعرفون كيف يصنعون المعنى. يعرفون ترتيب الصور، ولا يعرفون ترتيب أولوياتهم وأهدافهم. يعرفون كيف يظهرون بشكلٍ جميل، لكنهم لا يعرفون كيف يكونون بخير. يعرفون متى يلتقطون اللحظة، لكنهم لا يعرفون كيف يعيشونها بصدق وفرح. يعرفون جمع المتابعين، لكنهم لا يعرفون كيف يحتفظون بصديق واحد قريب. يعرفون كل لغات «الذكاء الاصطناعي»، لكنهم يجهلون أبجديات القلب وصدق الشعور. جيلٌ يتزوّج بسرعة الإعجاب، ويطلّق بسرعة الملل. يبدأون قصة حبّهم بلقطة «سيلفي» وينهونها بجملةٍ أنيقة: «أرواحنا لا تتشابه!». علاقاتهم تشبه اتصال الإنترنت عندهم: سريعة، متقطعة، بلا عمق. ولأنّهم يؤمنون بـ «الكيمياء» أكثر من الوفاء، صارت العلاقات عندهم تشتعل من اللا مكان، من كلمةٍ عابرة، أو إعجابٍ على منشور، يكتشف أحدهم بلحظة سريعة أنه يحبها بجنون ومن مكان ما تخرج القصائد الرديئة والأغاني العاطفية المبتذلة وهي تهيم به وكأنها مرغمة على تقمص حالة الحب كما تراها على الشاشات. ثم فجأة تنطفئ القصص بلا أثر... كأنها شرارة في هواءٍ بارد. كانت العلاقة في زمننا وعداً يُكتب بالنيّة، واليوم صارت «تجربة» تُحذف من المحفوظات. يبدّلون الشركاء كما يبدّلون كلمات السر، وكل فشلٍ لديهم «درس» جديد لبث مباشر قادم وفضيحة علنية!
ربما سيضحكون عندما يقرأون هذا الكلام، سيردّون علينا بسخرية بـ «أوكي بومر»، لكننا سنبتسم بهدوء، لأننا نعرف معنى التواصل حقاً، ونعرف كيف كان القلب يكتب قبل أن تتعلّم الأصابع الكتابة على الشاشات. نعرف طهارة البدايات حين كانت المشاعر تُقال بلا فلاتر، ونكهة الكلمات حين كانت تُقال لتُسمَع لا لتُنشَر. نعرف عن الوعود صدقها العتيق، حين كان الكلام يُقال بنية القلب لا بلسان العادة، وحين كان الوفاء يمشي الهوينى على نبضٍ لا يخون.
وربما نكتشف فجأة أننا أصبحنا نسخةً صغيرة منهم... نكتب، نحذف، وننسى قبل أن نشعر.
أصبحنا مثلهم... مجرد إشارات زرقاء تمشي على شاشات الحياة.