بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 تشرين الأول 2025 12:00ص الرجولة المفقودة

حجم الخط
جنان العلي

كان يشبه الحقيقة في ملامحه والكذب في جوهره؛ رجلٌ يجيد التمثيل أكثر مما يجيد الشعور، يختبئ خلف الكلمات المنمّقة كذئبٍ يرتدي ثوب شاعر. يُتقن فنّ الظهور في أجمل صورة ويخفي تحتها نوايا من غبارٍ وخداع، يُطلّ عليك بثقة العارف بكل شيء وبابتسامةٍ ودودة تسبق طعنته بثوانٍ. ذلك الرجل الذي لا يخطئ في اختيار كلماته بل يخطئ في معنى الرجولة نفسها.
يتحدّث كفيلسوفٍ بلهجة الواثق من نفسه، يفسّر ضعفه وصمته على أنه عمق وأنانيته على أنها وعي ومكره على أنه ذكاء استراتيجي. يبيعك أفكاراً ونظرياتٍ ومشاريعاً كمن يرسم لوحة فخمة من رذاذ ماء. يظنّ أنّه يملك مفاتيح الكون، يبرّر أنانيته بالوعي والحكمة ويغلّف مصلحته بالمنطق. يتقن دور الحكيم حين يريد كسب الإعجاب ودور الضحية حين يريد النجاة من الحساب. يُجيد فنون التلاعب النفسي واستراتيجيات الإبهار؛ يبدو في أوّل الأمر مسالماً جداً، مثقفاً جداً، لبقاً جداً، متقبّلاً للآخر جداً... لكن هذه الـ(جداً) هي ما تؤسف دوماً، فكل (جداً) مبهرة ومزيفة تنجب أسفاً دميماً وندماً شديداً.
وصوليٌّ بطبعه، يُخطّط بخبث الهادئين، مسوِّف بالفطرة يُجيد المماطلة كما يُجيد التنفّس، متذمّر ومزاجي جداً، يحوّل أبسط الأمور إلى مأساة وجودية. يضع الناس في لعبة شطرنج ذهنية يحرّكهم كما يشاء، يمشي على حوافّ المواقف كما يمشي اللصّ في العتمة، يحسب كل خطوةٍ بميزان مصلحته، ولا يرى في الآخرين إلّا وسيلةً للوصول ، أو حجراً يُزال عند الانتهاء.
له وجهان: أحدهما يأسرك والآخر يحرقك؛ الأول مثالي أمام الناس يفيض ثقةً ولباقة، والثاني مظلم يقطر تلاعباً وقسوة. يمنحك الأمان بيدٍ ويدفعك إلى الهاوية بالأخرى، وكلما اقتربتِ منه أكثر شعرتِ بكل تناقضاته، وتكشّف أمامك كل ما يحاول ستره من خديعةٍ وثقةٍ مزيفة.
وهو كأيّ ذكر يفاخر بأنه بارع بجمع النساء حوله كمن يفاخر بجمع الطوابع، يظنّ أن الرجولة تُقاس بعدد الفتوحات العاطفية والعلاقات العابرة التي مرّت في حياته كصيّاد يتباهى بعدد الطرائد التي اصطادها. يرى في كل علاقة وساماً جديداً على صدر غروره، ويظنّ أن كثرتها دليلُ جاذبية، وهو في الحقيقة لا يجيد البقاء ولا الإخلاص ولا حتى الوفاء، لا يدرك أن تكرار التجربة لا يصنع رجولة، بل يفضح معدنها الفاسد وانحلال أخلاقه. ذكوريٌّ بامتياز، لم يخلع عن طبعه ثوب الجاهلية رغم ادّعائه التحرر والانفتاح، كان ينظر إلى كل واحدة كما لو كانت مشروعاً جديداً لإشباع غروره، لا قلباً يُفترض أن يُصان ويُحترم.
كان ينظر إليها وهي تحدّق به طويلاً، وهو يلقي على مسامعها أكاذيبه الرنّانة وقصصه الخرافية، ويردد في سره بصوتٍ يغمره الفخر: «كم أنا بارع، حتماً هي صدّقتني. إنها تحدق في عيني طويلاً إعجاباً بي وبأسلوبي الرنّان». بينما هي كانت تُحَدِّق في وجهه بصمت، وتقرأ ملامح الخيانة واضحة في عينيه. هي تعرف الحقيقة وتحدّث نفسها بخفاء واشمئزاز قائلة: «كيف لرأسٍ بهذا الحجم أن يكون مخادعاً، منافقاً، منفصماً إلى هذا الحد؟ كيف لقلب أن يكون فارغاً تماماً من الإنسانيّة؟» يا عزيزي المخادع المغرور، ليس كل التحديق إعجاباً؛ قد يكون تعجّباً، أو خذلاناً واحتقاراً. رجلٌ كهذا يحتاج صفعة من أنثى قوية تعيد له وجه رجولته المفقود وتُذكّره بأن الرجولة الحقيقية لا تُقاس بالخطابات الرنّانة والأكاذيب الغبية، بل بالأفعال والنوايا الصادقة. 
«وبلحظةٍ» واحدة يسقط القناع، ولا يُسمع الآن سوى ارتطام الحقيقة على أرض الخداع؛ تتهاوى الملامح المصطنعة وتظهر النوايا التي طالما اختبأت خلف الكلمات المنمّقة والشعور المزيف. يسقط كل ما بناه من أكاذيب وأوهام وينكشف وجهه الحقيقي؛ وجهٌ باهت بلا بريق يفضحه زلّة لسان بعدما خانته كل فنون البلاغة وتمرّد عليه الكلام. كلّ ما كان يُبهر أصبح «بلحظةٍ» مثيراً للشفقة، وكلّ ما كان يثير الإعجاب تحوّل إلى كذبٍ مفضوح.
في تلك «اللحظة» بالذات لم تكن هناك حاجة لصفعةٍ أخرى، فالحقيقة وحدها كانت كفيلةً بأن تصفعه ألف مرة وتجرّده من كل أوهامه، ثم تتركه وحيداً أمام مرآة نفسه عاجزاً عن التظاهر.
لقد جاء بكل ما يدهش، ورحل بكل ما يوجع. وهي خرجت من بينهما بخفّة الناجين الذين فهموا أخيراً أن القوة تكمن في القدرة على ترك ما يؤذي، وأن الحكمة تتجسّد في التخلّي عن كل ما لا يمكننا تغييره. أما الكرامة والقوة فتتجليان في مواجهة جريئة، وصفعة من أنثى قوية قد تعيد له يوماً وجه رجولته المفقود.
أتساءل، رجل كهذا... كيف يتمكن في كل مرة من لقاء عيني من رأت عري أفعاله وانكشاف أسراره؟ أم أن هذا الزمن هو زمن الرجولة المفقودة؟!!