بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 كانون الثاني 2025 12:00ص الروائية أميمة الخميس لـ«اللواء»: «المحلية هو مكوّن هام داخل الرواية، فهو الذي يمنحها هويتها وملامحها وخصوصيتها الثقافية»

حجم الخط
في عالم الأدب، حيث تتشابك الحروف وتُختلط الأفكار، تبرز الكتابات كرسائل مشفرة، تُرسل من قلب المؤلف لتصل إلى ذهن المتلقّي. وعندما يتمحور الحديث حول الأدب الروائي، يصبح البحث عن الأبعاد الخفية للأحداث والشخصيات طقساً ملهماً لا يتوقف. من هذا المنطلق، يأتي حوارنا اليوم مع الكاتبة الروائية «أميمة الخميس» التي تقدّم لنا رؤيتها الفريدة في عالم الرواية، حيث تلتقي العوالم الفكرية بالجغرافيا، ويتداخل التاريخ بالخيال.
من خلال هذا الحوار، نكتشف كيف تنظر الكاتبة إلى دور الرواية كوسيلة لنقل الحقيقة، وكيف يمكن أن تتنقل بين معقدات الماضي وتحدّيات الحاضر. هل هي مجرد سرد للقصص أم أنها حقل خصب للتأمّلات الفلسفية التي تسائل وجود الإنسان ومعاناته؟
وفيما يتناول الحوار قضايا عميقة تتعلق بالثقافة والدين، نغوص في أفكار الكاتبة حول الصراع بين الحضارات، وكيفية تأثير هذا الصراع على نمو الشخصيات وتطوّرها. أما عن أهمية الرواية في العصر الحديث، فإننا نلتقي بوجهة نظر فنية ترى في الفن الروائي وسيلة لتفكيك الواقع وعرضه من خلال «الحقيقة الثالثة»، تلك التي لا تقف عند حدود الواقع التاريخي، بل تتجاوزها إلى فضاء من الخيال الذي يمتزج بالجمال الأدبي.
هذا الحوار مع الروائية السعودية أميمة الخميس هو نافذة إلى عقل روائي متأمّل، ينير لنا مساحات من التفكير العميق والمشوّق حول ما يمكن أن تقدمه الرواية في عالم يعجُّ بالتحديات، والعلاقة بين الذاكرة والشهادة، والحقيقة والخيال.
{ الرسائل كالوصايا، يجمح الكثير إلى كتابتها في المنعطفات المصيرية هل اعتبر عمة آل مشرق رسالة؟
- كل نص يحوي رسالة مضمرة أو موقف من الحياة، والرسالة تحددها الأرض التي استقبلتها، والحقول التي هطلت فوقها، فالقارئ المتلقّي هو ضلع ثالث للكتاب والكاتب في مثلث العملية الإبداعية.
{ الرياض شظية كوكب دريّ تتجوهر في العتمة، هل اعتبر هذا تمجيدا لما كتبه الرحّالة عنها بلغتك الروائية أم هو شدّة انتماء كاتبة روائية لهذا المكان؟
- لا... هذه هي الحقيقة الجغرافية، فالرياض عند القدوم لها من الجو، أول من يستقبلك عندما تدخل أجواء المملكة نجم سهيل الجنوبي، يسوقك نحو الرياض، حيث تمرّ على بقع من الضوء تمثل المدن والبلدات تحتك تومض في العتمة فوق الرمال، لكن ما أن تقترب من الرياض متسنمة عرشها وسط جزيرة العرب ستجدها شظية كوكب دريّ يتجوهر في العتمة , وقد التحفت شبكة من خيوط الذهب، والدروب التي تسيل منها بالقوافل وتعود لها بالحكايات.
{ هل يمكن أن نعتبر الرواية تأمّلاً فلسفياً في وجود الإنسان ومعاناته، أو أن الرواية تركّز أكثر على الجانب الدرامي والتاريخي؟
- الدراما هي القالب الذي يحتضن التاريخ والفلسفة وجميع تقنيات السرد التي تنخرط في صناعة الرواية، الرواية تختزل حاجتين فطريتين داخل البشر الأولى تنظيم فوضى الكون حوله على شكل حكاية، والثانية هي مناهضة الفناء بصناعة الفنون.
{ في مشهد معيّن، نجد شخصيات الرواية في صراع داخلي بين ثقافات ودينين مختلفين، كيف ترين أهمية هذا الصراع في التأثير على مسار الشخصيات ونموّها؟
- الصراع هو ديالكتيك هام في العلاقة بين الحضارات، حتى يتمخض عنه واقع جديد من التعايش السلمي.
{ هل تعتقدين أن الرواية تعكس تجربة إنسانية عالمية، أم أنها تسلّط الضوء بشكل خاص على تجربة ثقافية معينة؟
- المحلية هو مكوّن هام داخل الرواية، فهو الذي يمنحها هويتها وملامحها وخصوصيتها الثقافية شرط أن تقوم تلك الخصوصية فوق أرض المشترك الإنساني.
{ في ظل هذه التحديات الدينية والثقافية، كيف ترين دور الأديان في العصر الحديث؟ وهل تعتقدين أن الرواية تشجع على الفهم المتبادل أو النقد البنّاء للأديان؟
- بالتأكيد، فالفنون مهمتها أن تسوّس توحّش هذا العالم، وتلطّف الغرائزي الدموي في أعماقنا، لذا فرواية (عمة آل مشرق) تعكس حقيقة إن الحروب الدينية ما هي إلّا ستار لمطامح ورغبات إمبريالية توسعية.
{ العائلة في النص تفضّل أن تكون الحكاية «رواية» بدلاً من كونها مجرد تاريخ موثق. كيف تنظرين إلى هذا الاختيار بين كتابة الرواية والتوثيق الأكاديمي؟ هل تجدين أن الرواية أكثر قدرة على نقل الحقيقة؟
- طبعا فالرواية هي حقيقة ثالثة فنحن لم نعرف الحارة المصرية إلّا من خلال أعمال محفوظ، ولم نعرف الجبل اللبناني إلّا من رواية أمين معلوف (صخرة طانيوس).
{ هل تعتقدين أن الرواية يمكن أن تظل وفيّة للواقع التاريخي بينما تترك المجال للخيال والتفسير؟
- بل يجب أن تخون الواقع والحقيقة التاريخية، وتخلص للخيال والحقيقة الثالثة.
 { هل تعتقدين أن الأجيال القادمة ستواجه نفس التحديات في توثيق التاريخ باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، أم أن الوسائط الرقمية قد تساهم في تقديم صورة أكثر اكتمالًا ودقّة؟
- الفن لا يوثّق... بل ينشئ عالما إبداعيا موازيا.
{ في النص، هناك إشارات إلى أن الذكريات الشفوية قد تتحوّل إلى «حقيقة» مع مرور الوقت. كيف تعتقدين أن هذه العملية تؤثر على كيفية إدراك الأجيال اللاحقة لأحداث الماضي؟
- الذكريات الشفوية كائن زئبقي متبدّل متغيّر، ولا يخضع لشكل نهائي، وإن كان يظل مخلصا لعناصره الأولية، ومحتواه القيمي.
{ هل تجدين أن الذكريات الشفوية والقصص العائلية تحمل قيمة تاريخية مهمة، حتى إذا كانت تحتوي على تحريفات أو تفسيرات شخصية؟
- طبعا فكما ذكرت في السؤال السابق، التاريخ الشفوي متفلّت متبدّل ككثبان الرمل، ولكنها تظل كثبان مهاجرة بنفس الخصائص والمكونات.
{ هل يمكننا، كما يشير النص، الوصول إلى «الحقيقة الثالثة» التي تقع بين الصدق والكذب؟ وكيف يمكن للكتاب استخدام هذه المساحة الرمادية بين الواقع والخيال لتحقيق سردية تتسم بالواقعية والمتعة الأدبية؟
- ليس من مهمة السرد أن يصبح واقعيا... هو فقط عليه أن يحقق غاياته الجمالية، ومدرسة الأدب الواقعي تلاشت واندثرت.