في روايتها «صيف 88»، تأخذنا الروائية دينا علي في رحلة عبر الزمن، حيث تتشابك الذكريات مع الواقع، وتتناغم الوجوه الحقيقية مع الوجوه المزيفة. من خلال قصة فنان شهير مفقود في ظل تحوّلات مجتمعية وثقافية، تُثير الرواية أسئلة عميقة عن الهوية، والشهرة، والعزلة، وتستكشف التوترات التي يعيشها الأفراد في مجتمعاتنا الحديثة. هذه الرواية ليست مجرد سرد لقصة فنان؛ بل هي مرآة تعكس صراعات الإنسان مع ذاته والمجتمع من حوله، كما تطرح علاقة الفن بالألم، وتفتح أبواباً لفهم كيف تتداخل الأبعاد النفسية والروحية في حياة الأفراد.
في هذا الحوار، تتحدث دينا علي عن عملية كتابة «صيف 88»، وتشرح كيف نشأت فكرة الرواية، وما يلهمها من تجارب حيّة في عالم الفن والموسيقى. كما تعكس بعمق تأثيرات الذاكرة والاغتراب على الشخصيات، وتسلط الضوء على التغيرات الاجتماعية والسياسية التي شكلت فترة الثمانينات. من خلال كلماتها، نكتشف كيف يمكن للرواية أن تكون نافذة لفهم صراع الإنسان بين الذات والصورة التي يقدّمها للعالم، وكيف أن الموسيقى يمكن أن تكون أكثر من مجرد خلفية، بل أداة تنبض بالألم والأمل في الوقت ذاته. ومعها أجرينا هذا الحوار:
{ كيف نشأت فكرة رواية «صيف 88» ولماذا «الوجه الأول»؟ وما الذي ألهمك لاختيار الوجوه تحديداً؟
- بدأت فكرة «صيف 88» في ليلة وفاة الفنان علي حميدة في فبراير 2021. وكان هذا مدفوعاً بفضول شخصي حول الفنان الذي كان ملء السمع والبصر في بداية طفولتي. أول شريط امتدت إليه يدي في حياتي كان شريط «لولاكي» حتى اختفى تدريجياً، ولاحقته الإشاعات، ثم اختفى تماماً حتى رأيناه في زخم كورونا يموت على سرير في مستشفيات حكومية. «الوجه الأول» أصل القصة هو الفنان علي حميدة، أما «الوجه الثاني» فهو انعكاسها على الشخصية الأخرى، هالة شاهين، التي تسير معه بالتوازي، وتتقاطع وتتباين في بعض الجوانب. لا الوجه الأول ولا الوجه الثاني إلّا وجوه شريط الكاسيت. القصة شريط كاسيت تُقلب فيه الوجوه بعضُها البعض، تتداخل فيها الحكايات، وتمتزج فيها المشاعر والرؤى حتى تخرج لنا الحياة من قارورة سحرية مفعمة بالغرابة!
{ العمل يحتوي على الكثير من التناقضات بين ما يظهره الأبطال للآخرين وما يشعرون به داخلياً، هل هذا انعكاس لصراع الإنسان في الواقع بين الذات الحقيقية والصورة التي يقدّمها للآخرين؟
- حاولت تقديم النفس البشرية بما فيها من تركيبات ومتناقضات وتعقيدات كما هي. فهناك فرق بين الصوت الداخلي للإنسان وذاكرته وأمنياته والعوامل البيئية والخارجية المحيطة به التي تشكّل شخصيته وسلوكه وتعيد إخراجه للكون. يخرج الإنسان مختلفاً عما نتمناه أو عما نظن أننا عليه.
{ في الرواية، يظهر البطل في وجه ما محاطاً بنجاحات ظاهرة ولكن معزولاً داخلياً. هل تعتقدين أن الشهرة يمكن أن تؤدي إلى عزلة أكبر؟ وكيف توازن دينا علي بين النجاح الشخصي والعلاقات الإنسانية؟
- مردود الشهرة يختلف من شخص إلى آخر. في حالة البطل، كان يمثل عدة تحوّلات مختلفة. تحوّل «خاص» يخصّ انتقاله من بيئة بدوية بمفردات تحرم الفن وتجرمه وتنبذه إلى مجتمع صاخب ومدينة تتمتع بالتنوع والتحرر على مستويات مختلفة. شهرته وثرائه بشكل مفاجئ في سن متقدمة مقارنة بمنافسيه ربما شكل بداخله الحاجز النفسي الذي منعه من الشعور بالشهرة والحفاظ عليها. كما أن تعرضه لنقد مستمر وهجوم جعله دائماً في موقف الدفاع. بشكل شخصي، لا أجد تعارضاً بين النجاح الشخصي والعلاقات الإنسانية. علاقاتي الإنسانية بنيّتها على مدار سنوات ولا علاقة لها بما أقدمه أو أنجح فيه.
{ تظهر الذاكرة بشكل محوري في الرواية، حيث تتداخل اللحظات الحيّة مع الذكريات. ما دور الذاكرة في تشكيل هوية الشخص؟ وهل تعتقدين أن ما يتذكره الشخص يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من واقعه الحالي؟
- أنا أؤمن أن الذاكرة والذات لا ينفصلان بل أنهما يتداخلان في بعضهما البعض مثل قطعة الصلصال! فالذاكرة تكمن في الجسد وحواسه، والهوية والشعور والأفكار. والمخادع فيها أنها خفية، فأنت لا تستطيع أن تفرق بين حدسك وتجربة قد تركت أثرها العميق على عقلك الباطن وتناسيتها تماماً! أنا ما أنا عليه بسبب ما مررت به ورأيته. نسبة تأثير ذاكرة الإنسان مقارنة بواقعه يعود للشخص ويعتمد على أمور عدة لا حسم فيها.
{ هناك أيضاً تسليط على فكرة الاغتراب في الرواية، سواء في داخل الشخص أو في المكان، كيف يمكن أن يكون الاغتراب موضوعاً مركزياً في الأدب؟ وهل ترى دينا علي أن هناك أبعاداً روحانية أو نفسية للاغتراب في العصر الحديث؟
- شهدت فترة الثمانينات سفر العديد من الكفاءات المصرية إلى دول الخليج. ما من عائلة إلّا ولها فرد في دولة عربية، مما خلق وقتها أفراداً شكّلت الغربة جزءاً كبيراً من هويتهم، وجزءاً أكبر من ذاكرة أطفالهم. كما شهدت أيضاً انتقالات داخلية، مثل انتقال أهل الدلتا والصعيد إلى الحضر. كل فرد عاش تجربته الخاصة من الاغتراب. تضاعفت تلك الأسباب في العصر الحديث، فالسفر أصبح أسهل لكلا الجنسين، كما أن عوامل الطرد لأسباب سياسية واقتصادية زادت، وعوامل الجذب للبلدان العربية والأوروبية. مع الزمن، تتغيّر الأماكن، وتبتلع الكتل الأسمنتية المساحات الخضراء والفضاءات الزرقاء، وتفقد المدينة ملامحها، ويفقد الناس معها ذكرياتهم وارتباطهم بها، ليعيشوا في تيه داخل نفس المكان. ومع انتشار الأجهزة الإلكترونية والـ«سوشيال ميديا»، تضخم مفهوم الفردية أمام الجماعة، والاغتراب أمام الأنس والسكن.
{ كيف ترى الروائية دينا علي دور الموسيقى في الرواية؟ هل هي مجرد وسيلة للهروب من الواقع، أم أنها تعبير عن الصراع الداخلي للشخصية؟
- الرواية بطلها المحوري مطرب، في قالب شريط كاسيت، في زمن شهد قفزات موسيقية على المستوى السمعي والبصري. تسبق تلك الفترة أيضاً ظهور الظاهرة الموسيقية «مايكل جاكسون» بألبومه الأيقوني «Thriller». الموسيقى في الرواية هي النبض، هي الخلفية التي تتحرك عليها الشخصيات كخشبة المسرح. يعبرون من خلالها عن الألم، والبهجة، والفكرة، والخذلان، والحلم.