بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 شباط 2026 12:00ص الروائية المصرية نادين أيمن لـ«اللواء»: «أعتقد أن الحياة العامة صارت معزولة عن الإبداع الحقيقي»

حجم الخط
تكتب الروائية المصرية «نادين أيمن» كما لو أنها تمسك بيد القارئ لتقوده داخل نفقٍ لا يُرى مدخله ولا يُطمأن إلى مخرجه. ومع ذلك، فإن أكثر ما يدهش في هذا العبور ليس العتمة التي تبتلع الخطوات، بل ذلك القدر من البصيرة الذي يلمع وسطها كما لو أنه ضوء شخصيّ لا يصل إليه سوى من يغامر بالتخلّي عن يقيناته. فكاتبة رواية «زواية النفق» لا تكتفي بتشييد عالم روائي، بل تنشئ مختبراً وجودياً تُختبر فيه هشاشة القيم وصلابة المواقف، وتُعاد فيه صياغة العلاقة الملتبسة بين الحقيقة وما يُراد لها أن تكون عليه؛ بين ما يُرى بالعين وما يُدرك بالوعي؛ بين ظاهرٍ يصعب تصديقه وباطنٍ يتخفّى خلفه الكثير.
الروائية «نادين أيمن» تكتب كما يفكّر الفلاسفة، دون مبالغة أو ادّعاء، وتضحك بسخرية هادئة تشبه تلك التي يجيدها المهمّشون حين يراقبون العالم من حافته. إنها تسمع ما لا يُقال في صمت الواقع، وتلتقط تلك الشقوق الصغيرة التي تنفذ منها الروح إلى المناطق المعتمة من التجربة الإنسانية، لتعيد ترتيبها في سرد متماسك ونافذ. معها يتحوّل الحوار إلى محاولة للإمساك بظلّ فكرة قبل أن تهرب، أو بتلك الومضة المرتجفة التي تتردّد بين الظهور والانطفاء. وكأن القارئ، وهو يرافقها، لا يقرأ أجوبة بقدر ما يلاحق أسئلة تتوالد من بعضها، تنفتح وتضيق، ثم تعود لتتفرّع من جديد.
في حواري معها، بدا أن نادين لا تشرح روايتها بقدر ما تُعمّق غموضها الجميل، وتدعوه ليكون جزءاً من التجربة لا مجرد قارئ. فتحت لي باب نفقها الروائي لتكشف وجوهاً متعددة للظلام: ظلام الخوف، ظلام التناقضات، وظلام الحقيقة التي تُخفى أحياناً تحت طبقات براقة من الجمال المزيّف. ومع كل سؤال، كانت تعيد ترتيب الأفكار، وتسبق الإجابة بتأمّل طويل، كأنها تمنح السؤال فرصة ليكشف حدّته الكاملة.
تساءلنا معاً: هل الجمال ممرّ سري للكذب؟ وهل يمكن للكذب أن يتخذ هيئة جميلة ليصبح قابلاً للحياة؟ وهل الخوف، ذلك الرفيق البشري القديم، ملاذٌ نحتمي به من الضوء، أم قيدٌ يمنعنا من رؤيته؟ أين يبدأ الواقع حين تتكاثر ظلاله، وأين تتوقف المخيّلة حين تصبح أشدّ صدقاً من الوقائع؟ وهل الضوء في نهاية النفق خلاص حقيقي... أم مجرد قناع آخر للعتمة، يلمع أكثر لكنه يخفي ما هو أعمق؟
في هذا الحوار، تقدّم نادين رؤية: رؤية لزمن مرتبك، ولإنسان يحاول أن يفتّش عن صوته وسط ضجيج العالم، ولظلام لا يُهزم إلّا حين نمتلك الشجاعة للسير فيه. ومع الروائية نادين أيمن أجريت هذا الحوار:
{ هل يمكن القول إن الرواية تحاول تحرير الجمال من الكذب، أو على العكس، تحرير الكذب من الجمال ليصبح قابلاً للحياة؟
- من منظور البطل - الصحفي - أو الراوي في بعض الأحيان يمكن القول أن الكذب والجمال بينهما ارتباط شرطي، فكل ما هو مزين أو زائف بالضرورة جميل لأنه يخفي القبح الذي يلازم الحقيقة.
وعلى الجانب الآخر كل ما هو جميل ربما يكون مجرد قشرة خارجية جميلة تحمل في داخلها الألم و المعاناة.
أما عن الرواية فهي تحاول تصوير الواقع المرير وصراع الراوي وتمزّقه بين ما يجب (قيمه التي يؤمن بها) وبين ما يفرضه عليه الواقع (أن يساير حتى يسلم من الأذى بل ويصل لأعلى المناصب).
السخرية أحيانا تكون صرخة تمرّد على السائد المعتاد (ارتباط الكذب بالجمال).
{ في العمل يبدو أن الشخصيات تنجذب إلى الظلام بوعي غامض. هل تظنين أن الخوف يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الراحة أو الأمان؟
- بالتأكيد الخوف وسيلة أمان لدى الكثيرين، لكن لا أظن أن الشخصيات في الرواية تنجذب إلى الظلام، ربما استسلام مؤقت، ربما الكل ينتظر اللحظة المناسبة، ربما الكل يترقب وجود لغة مشتركة تمكنّهم من الخروج إلى النور.
{ هل النفق انعكاس لعالمنا الحديث أم أنه استعارة عن باطن النفس الإنسانية؟
- أعتقد أن النفق انعكاس للحيرة، الشرود، التيه. النفق هو الرحلة بين سؤال وجودي نأمل في إيجاد جواب حقيقي له والجواب المضىء بالمعرفة (لحظة التنوير).
{ هل تعتقدين أن الفلسفة يمكن أن تُقال بالسرد أفضل مما تُقال بالمقالات الفكرية؟
- السرد به متعة، خيال وحيوية، السرد قريب من الناس، يقول لهم وينصت إليهم.
{ المفكرون والفنانون والمهمّشون هم سكان النفق. هل هذا اختيار رمزي يوحي بأن الإبداع نفسه صار معزولًا عن الحياة العامة؟
- أعتقد أن الحياة العامة صارت معزولة عن الإبداع الحقيقي.
{ لو أُتيح لشخصياتك أن تخرج فعلاً من النفق، هل كانت ستتحمل الضوء؟
- سؤال صعب، ما زلت لا أعرف هل الظلام الحقيقي يسكن النفق أو يسود كل ما فوقه؟!